فهرس الكتاب
يقول الشيخ ملا علي القاري تعليقًا على قول القاضي عياض في متن"الشفا":"وكذا نكفر لكل فعل أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان صاحبه مصرحًا بالإسلام مع فعله ذلك الفعل الذي لا يصدر إلا من كافر كالسجود للصنم والشمس والقمر والصليب الذي للنصارى، والنار".
قال علي القاري:"بخلاف السجود للسلطان ونحوه، بدون قصد العبادة، بل بإرادة التعظيم في التحية، فإنه حرام لا كفر، وقيل: كفر"انتهى [1] . وكما لا يخفى عليك أن قول الشارح:"وقيل: كفر"مشعر بالتضعيف والتمريض، كما هو عادة أهل العلم عند تقريرهم الراجح من الأقوال.
يقول ابن حجر الهيتمي الشافعي، وينقل عن النووي في"الروضة"قوله: إن مثل هذا السجود -أي سجود التحية- حرام لا كفر"، فيقول:"ثم ما اقتضاه كلامه -أعني الشيخ عز الدين ابن عبد السلام- من أن العلماء كالوالد في ذلك يدل عليه ما في"الروضة"آخر سجود التلاوة"، وعبارته: وسواء في هذا الخلاف في تحريم السجدة ما يفعل بعد صلاة وغيره، وليس من هذا ما يفعله كثيرون من الجهلة الضالين من السجود بين يدي المشايخ، فإن ذلك حرام قطعًا بكل حال، سواء كان للقبلة أو لغيرها، وسواء قصد السجود لله أو غفل، وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر، عافانا الله من ذلك، فافهم أنه قد يكون كفرًا بأن يقصد به عبادة مخلوق أو التقرب إليه، وقد يكون حرامًا إن قصد به تعظيمه أو أطلق، وكذا يقال في الوالد" [2] .
الأمر الثاني: أن السجود على وجه العبادة شرك منصوص عليه في جميع الشرائع، وأن السجود على وجه التحية كان مباحًا سائغًا في الشرائع السابقة من لدن آدم حتى نسخ في شريعتنا بحديث معاذ هذا كما سنوضحه، وقد دل على ذلك القرآن الكريم في سجود إخوة يوسف لأبيهم قال تعالى: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) [يوسف: 100] ، يقول ابن كثير:"وقد كان هذا سائغًا في شرائعهم: إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم"
(1) - شرح الشفا: (2/ 221) .
(2) - الإعلام بقواطع الإسلام، ابن حجر (ص19) المطبوع مع الزواجر.