فهرس الكتاب
إلى شريعة عيسى عليه السلام، فحُرِّم هذا في هذه الملة، وجُعِل السجود مختصًا بجناب الرب سبحانه وتعالى، والغرض أن هذا كان جائزًا في شريعتهم، ولهذا خرَّوا له سجدًا" [1] ."
يقول ابن تيمية رحمه الله:
"وأما السجود فشريعة من الشرائع إذ أمرنا الله -تعالى- أن نسجد له، ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير، طاعة لله عز وجل، إذ أحب أن نعظم من سجدنا له، ولو لم يفرض علينا السجود لم يجب البتة فعله، فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة له، وقربة يتقربون بها إليه، وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم، وسجود إخوة يوسف له تحية وسلام، ألا ترى أن يوسف لو سجد لأبوية تحية لم يكره له" [2] .
ويقول القرطبي رحمه الله:"المسألة الثانية: قال سعيد بن جبير عن قتادة عن الحسن في قوله: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) [يوسف:100] ، قال: لم يكن سجودًا، لكنه سنة كانت فيهم، يومئون برءوسهم إيماء، كذلك كانت تحيتهم."
وقال الثوري والضحاك وغيرهما: كان سجودًا كالسجود المعهود عندنا، وهو كان تحيتهم وقيل: كان انحناء كالركوع، ولم يكن خرورًا على الأرض، وهكذا كان سلامهم بالتكفي والانحناء، وقد نسخ الله ذلك كله في شرعنا، وجعل الكلام بدلًا عن الانحناء، وأجمع المفسرون أن ذلك السجود على أي وجه كان فإنما كان تحية لا عبادة" [3] ."
فتبين لك من كلام العلماء الأعلام أن النوع الثاني من السجود -وهو سجود التحية- كان مباحًا سائغًا في شريعة من قبلنا حتى نسخ في شريعتنا، والناسخ له هو حديث معاذ
(1) - ابن كثير (2/ 491) ط الرياض الحديثة.
(2) - مجموع الفتاوى: (4/ 360) ، صرح الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى أن سجود التحية كان مباحًا في الأمم السابقة، وأن الناسخ له حديث معاذ رضي الله عنه قال رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) [طه: 116] كان هذا سجود تحية، وسلام وإكرام كما قال تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) [يوسف: 100] وقد كان هذا مشروعًا في الأمم الماضية، ولكن نُسِخ في ملتنا قال معاذ: قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم، وعلمائهم قالت يا رسول الله أحق أن يسجد لك فقال:"لو كنت أمرًا بشرًا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها"تفسير ابن كثير: (1/ 77) ط المكتبة القيمة وراجع (2/ 474) .
(3) - تفسير القرطبي: (4/ 3494) ط دار الشعب.