فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 402

كما سيتبين لك ذلك من أقاويل العلماء، فما فعله معاذ لا يعدو أن يكون فعلًا مباحًا سائغًا في شرائع من قبلنا، وليس فعلًا كفريًا حتى نقول أنه قد ارتكب الشرك جاهلًا فعُذِر بالجهالة.

ومما يُرجّح أن معاذًا رضي الله عنه قد سجد هذا السجود على وجه التحية تصريح العلماء بأن هذا الأمر ظل مباحًا إلى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وأن الناسخ له هو حديث معاذ المذكور.

يقول الحافظ أبو بكر الجصاص الحنفي في كتابه أحكام القرآن:"ويشبه أن يكون قد كان باقيًا إلى زمن يوسف عليه السلام، فكان فيما بينهم لمن يستحق ضربًا من التعظيم، ويراد إكرامه وتبجيله، بمنزلة المصافحة والمعانقة فيما بيننا، وبمنزلة تقبيل اليد، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في إباحة تقبيل اليد أخبار، وقد روي الكراهة، إلا أن السجود لغير الله تعالى على وجه التكرمة والتحية منسوخ بما روته عائشة وجابر بن عبد الله وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما ينبغي لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها" [1] ."

فقول الإمام الجصاص رحمه الله:"منسوخ بما روته عائشة وجابر وأنس": إشارة إلى أن الناسخ لسجود التحية الذي كان مباحًا هو حديث معاذ، وإن اختلفت الألفاظ، فهذا دليل على أن الفعل كان سائغًا مباحًا حتى وقت أن سجد معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم إلى وقت التحية فنهاه عن ذلك.

وقد ذكر الإمام القرطبي في تفسيره أن قول الأكثرين من العلماء أن السجود لغير الله على وجه التحية كان مباحًا إلى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر الحديث الناسخ لهذه الإباحة، وهو نفس الحديث الذي وقعت فيه حادثة معاذ.

قال رحمه الله:

"والأكثر أنه كان مباحًا إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم" [2] .

وأما اعتراض بعض المتأخرين بما قاله الإمام ابن تيمية:"وأما فعل ذلك -يقصد السجود- تدينًا وتقربًا: فهذا من أعظم المنكرات، ومن اعتقد أن مثل هذا قربة وتدينًا فهو ضال مفتر، بل يبين له أن هذا ليس بدين ولا قربة، فإن أصر على ذلك استتيب، فإن تاب وإلا قتل" [3] .

فنقول: إنه ليس في هذا الكلام حجة للمخالف، لأنه كلام عام لم يوضح فيه شيخ الإسلام ابن تيمية أن معاذ فعل كفرًا فعذره النبي صلى الله عليه وسلم بالجهل، ولذا فلا يمكن الاستشهاد به على أصل مسألتنا.

أما قوله -أي صاحب العذر بالجهل عقيدة السلف-:"فقد عذر النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا ولم يكفّره، بل لم يطلب منه أن يتوب، لأنه حين فعل لم يفعل معصية ولا كفرًا، لأنه لم يكلف بذلك لجهله هذا الحكم، حتى بيّنه له النبي صلى الله عليه وسلم فلو فعله بعد ذلك لكفر" [4] .

فهذا الكلام من صاحب الكتاب المذكور قد يكون له وجه اعتبار لو كان معاذا قد سجد بعد نص النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم السجود على وجه التحية، أما وقد كان الفعل مباحًا وقت أن سجد معاذ ولم ينسخ إلا بعد بيان الشارع له بالنسخ والتحريم، فهو لم يرتكب محرمًا ولا كفرًا أصلًا، وليس ذلك لجهله -كما قال صاحب الكتاب المذكور، ولكن لبقائه على البراءة الأصلية حتى وقت وقوع الحادثة ونسخ النبي صلى الله عليه وسلم له بحديث معاذ نفسه.

وبعد مراجعة أمهات كتب شروح السنة التي قد تعرضت لشرح هذا الحديث لم نجد عالمًا واحدًا قد نص نصًا صريحًا على أن فعل معاذ كان بعد ورود النهي عن السجود، بل أن من العلماء الأعلام وهم: الإمام القرطبي، والإمام الجصاص، والحافظ ابن كثير قد صرحوا على أن هذا الفعل كان سائغًا مباحًا إلى وقت سجود معاذ.

راجع كلام الأئمة الأعلام القرطبي والجصاص والحافظ ابن كثير في هذا التصريح، نقلناها لك بطولها.

وبقي هناك كلام للشوكاني رحمه الله وهو قوله: في كتاب"نيل الأوطار":"وفي هذا الحديث دليل على أن من سجد جاهلًا لغير الله لم يكفر" [5] وليس في كلام الشوكاني رحمه

(1) - أحكام القرآن للجصاص: (1/ 37 - 38) ط بيروت، تحقيق محمد صادق القمحاوي.

(2) - تفسير القرطبي: (1/ 250) ط دار الشعب.

(3) - مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية: (1/ 372) احتج به صاحبه كتاب العذر بالجهل عقيدة السلف: (ص58) .

(4) - العذر بالجهل عقيدة السلف: (59/ 60) .

(5) - نيل الأوطار: (6/ 363) . وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى أن حديث معاذ رضي الله عنه من جنس سجود التحية قال رحمه الله تعالى:"ورابعها: أبو يوسف وإخوته خروا له سجدًا، ويقال كانت تحيتهم فكيف يقال أن السجود حرام مطلقًا؟ وقد كانت البهائم تسجد للنبي صلى الله عليه وسلم والبهائم لا تعبد الله. فكيف يقال يلزم من السجود للشيء عبادته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها ومعلوم أنه لم يقل لو كنت آمرًا أحدًا أن يعبد"مجموع الفتاوى: (4/ 360) ط عالم الكتب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت