فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 402

الله تعالى حجة خاصة إذا علمت أن سجود معاذ كان على وجه التحية كما نص على ذلك الأئمة الأعلام الذين سبق نقل نصوصهم، وإنما توقف بعض أهل العلم في تكفير الجاهل في هذا الموضع؛ لأنه قد ثبت مثل هذا السجود في شرائع من قبلنا، واعتبروا ذلك شبهة دارئة لحكم الكفر في هذا الموضوع بالذات، بخلاف من يسجد لغير الله لطلب النفع والضر مثل عباد القبور، فإنه لا شبهة في تكفير من سجد مثل هذا النوع من السجود- وإليك ما قاله الأئمة الأعلام عند تعرضهم للجواب على نفس هذا الاستشكال الذي قد يورده البعض في الفرق بين من سجد لغير الله على وجه التحية وبين من سجد لغير الله على وجه التقرب وطلب النفع والضر.

يقول ابن حجر الهيتمي الشافعي الفقيه مجيبًا عن هذا الإشكال ومبينًا علة عدم تكفير من فعل هذا النوع من السجود فيقول:"ونقل الزركشي وغيره هذا الإشكال -أي الفرق بين السجود للوالد والسجود للصنم- ولم يجيبوا عليه، ويمكن أن يجاب عنه بأن الوالد وردت الشريعة بتعظيمه بل ورد شرع غيرنا بالسجود للوالد كما في قوله: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) [يوسف:100] بناء على إن المراد بالسجود ظاهره وهو وضع الجبهة؛ كما مشى عليه جمع، وأجابوا بأنه كان شرعًا لمن قبلنا ومشى آخرون على أن المراد به الانحناء، وعلى كل فهذا الجنس قد ثبت للوالد ولو في زمن من الأزمان وشريعة من الشرائع فكان شبهة دارئة لكفر فاعله، بخلاف السجود لنحو الصنم أو الشمس فإنه لم يرد هو ولا ما يشبهه في التعظيم في شريعة من الشرائع، فلم يكن لفاعل ذلك شبهة لا ضعيفة ولا قوية، فكان كافرًا، ولا نظر لقصد التقرب فيما لم ترد الشريعة بتعظيمه بخلاف من وردت بتعظيمه فاندفع الاستشكال واتضح الجواب عنه كما لا يخفى"انتهى بلفظه وحروفه [1] .

وبهذا يتبين لك خطأ ما قاله صاحب"العذر بالجهل وبدعة التكفير"، وتبعه في هذا صاحب"العذر بالجهل عقيدة السلف"، في قولهما:"وفي الحديث دليل واضح على أن من"

(1) - الإعلام بقواطع الإسلام (ص18 - 19) المطبوع مع الزواجر. وله كلام آخر في هذا التفريق تركناه خشية الإطالة فراجعه في موضعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت