فهرس الكتاب
زمن خفاء أو اندثار آثار الرسالة، والنبوة معذور بجهله لعدم تمكنه من التعلم بخلاف من وجد في أزمنة انتشار العلم راجع (تقرير هذه القاعدة) الفصل السادس من هذا الكتاب.
وبتطبيق هذه القاعدة، وحدودها يتضح لنا أن هذه الحالة المذكورة في الحديث قد تنطبق عليها، وأن المذكورين في الحديث في حالة عدم تمكن من التعلم، ولا يصح أن تعد دليلًا على الإعذار بالجهالة بإطلاق في جميع الأزمنة والأمكنة.
جواب هذه المعارضة:
الجواب من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن الحديث إنما يتحدث عن مناط خاص بآخر الزمان وهو عدم التمكن من العلم، هذا المناط يرتفع فيه القرآن من الصدور، ويفشو فيه الجهل، بحيث لا يعرف الناس صلاة ولا صيامًا ولا نُسكًا ولا صدقة، فلا يصلح الاستشهاد به على واقعنا، والقرآن يتلى ليل نهار، والسنة معلومة، ودعوة التوحيد لها أتباع -وإن كانوا قلة- والناس برغم جهلهم يعلمون أن هناك دعاة يقومون بدعوة مخالفة لما ألفوه وتلبسوا به من الشرك، وفي معنى ذلك يقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بعد أن سرد الآيات والأحاديث الدالة على أن من سمع بالدعوة، ثم لم يطلبها، فهو غير معذور، بل هو مؤاخذ، يقول رحمه الله:
"ومن عاش في بلد يسمع فيها الدعوة إلى الإسلام، وغيره، ثم لا يؤمن ولا يطلب الحق من أهله، فهو في حكم من بلغته الدعوة الإسلامية، وأصر على الكفر" [1] .
وقال بعد كلام له موضحًا أن وجود دعاة الحق- وإن كانوا قلة- بجانب دعوات الباطل الكثيرة كاف في إقامة الحجة، يقول:
"ومن نظر في البلاد التي انتشر فيها الإسلام وجد من يعيش فيها بتجاذبه فريقان: فريق يدعو إلى البدع على اختلاف أنواعها، شركية وغير شركية، ويُلبِس على الناس، ويزيِّن لهم بدعتهم بما استطاع من أحاديث لا تصح، وقصص عجيبة غريبة يوردها بأسلوب شيق جذاب. وفريق يدعو إلى الحق والهدى، ويقيم على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، ويبيّن"
(1) - راجع فتوى ابن باز من هذا البحث. راجع فتوى اللجنة الدائمة المحالة للرئيس العام.