فهرس الكتاب
بطلان ما دعا إليه الفريق الآخر، وما فيه من زيف، فكان في بلاغ هذا الفريق وبيانه الكفاية في إقامة الحجة -وإن قل عددهم- فإن العبرة ببيان الحق بدليله لا بكثرة العدد" [1] ."
الوجه الثاني: ومما يضعف الاستدلال بهذا الحديث: أن هؤلاء الذين يكونون في آخر الزمان غير مؤاخذين بما جهلوه من تفصيل الأحكام؛ لأن القرآن -الذي هو الحجة- مرفوع في عصرهم، ومن المعلوم أن المرء إذا بحث عن الحق وجدّ في طلبه ثم لم يتمكن من الوصول إليه لعجزه عن الوصول إليه، لعدم وجود الحجة الكافية من القرآن فإنه لا يؤاخذ فيما عجز في طلبه، ويكون الدين الواجب في حقه هو ما بلغه، فإنه إن كُلِّف غير ذلك، فقد كُلِّف بما لا يطيقه، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فهؤلاء كل ما بلغهم وتوارثوه جيلًا بعد جيل كلمة"لا إله إلا الله"، ولو جدّ الجاد فيهم، وبحث الباحث عن غير ذلك في مشارق الأرض ومغاربها فلن يجد غير ذلك، فهل من الإنصاف أن ينزل مناط هذا الحديث الذي وصف لنا واقع هؤلاء الأقوام من رفع القرآن في عصرهم بواقعنا الذي نعيشه، وما يزال دعاة الحق -وإن كانوا قلة -يدعون إلى توحيد الله -عز وجل-، ولو بحث الباحث عن الحق بدليله لوجده بيسر وسهولة، بل إن الواقعين الشرك يعلمون أن هناك دعوة تخالف ما هم عليه، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن حقيقة هذه الدعوة، بل عادوها وأعرضوا عنها، فهل يستوي هؤلاء وهؤلاء؟!
يقول الحافظ ابن كثير في شرح حديث حذيفة:
"وهذا دال على أن العلم قد يرفع من الناس في آخر الزمان، حتى القرآن يسري عليه من المصاحف والصدور، ويبقى الناس بلا علم، وإنما الشيخ الكبير، والعجوز المسنة يخبرون أنهم أدركوا الناس، وهم يقولون:"لا إله إلا الله"، فهم يقولونها على وجه التقرب إلى الله تعالى، فهي نافعة لهم، وإن لم يخاطبوا بها، والله أعلم" [2] .
فالظاهر أن هؤلاء حكمهم كحكم أهل الفترات، وغاية ما عندهم هذه الكلمة العظيمة التي يقولونها على وجه التقرب إلى الله، وليس عندهم من العلم النافع ما يمكنهم من معرفة سائر ما افترضه الله عليهم، بخلاف المتمكن من التعلم، المقصر في البحث عن الحق.
ويقول ابن القيم موضحًا حكم أهل الفترات فيما نقله عنه الشيخ سليمان بن سحمان:
(1) - راجع نص الفتوى لابن باز من هذا البحث، راجع فتوى اللجنة الدائمة المحالة للرئيس العام.
(2) - نهاية البداية والنهاية (1/ 21) ط/ المكتبة القيمة.