فهرس الكتاب
التي يندرس فيها كثير من علم النبوات، حتى لا يبقى من يبلّغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يُعْلم كثيرًا مما بعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يحكم بكفره حتى يُعرّف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا جاء في الحديث، ثم أورد رحمه الله تعالى الحديث الذي نحن بصدد الحديث عنه [1] .
وهذا يوضح ما سبق تقريره أن الحديث له مناط عدم التمكن الذي عبّر عنه شيخ الإسلام بـ (الأزمنة والأمكنة التي يندرس فيها كثير من النبوات) ، ويقرر ذلك شيخ الإسلام كقاعدة مستقلة بقوله"إن الأمكنة والأزمنة التي تفتر فيها النبوة لا يكون حكم من خفيت عليه آثار النبوة حتى أنكر ما جاءت به خطأ، كمن يكون في الأمكنة والأزمنة التي ظهرت فيها آثار النبوة" [2] .
وليس في نص الحديث أنهم ارتكبوا شركًا فعذروا بالجهل ولكن فيه أنهم تركوا ما لم يبلغهم من الشرائع بعيب عدم تمكنهم من تعلمه لرفع القرآن واندثار العلم في زمنهم.
ومما سبق يتضح لنا أنه لا يصح الاستدلال بهذا الحديث على عموم الاعذار بالجهالة في جميع الأزمنة والأمكنة، كما استدل بها على من استدل ممن صنف في هذه المسألة [3] .
(1) - الفتاوى (11/ 408) .
(2) - بغية المرتاد (311) .
(3) - راجع العذر بالجهل عقيدة السلف (75 - 76) .