فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 402

ولعل المتأمل قد عرف أن دعوى الإجماع غير صحيحة، وخاصة أنها معارضة بإجماع صحيح منقول، ومعارضة أيضًا بقول الجماهير من أهل العلم، فهل يستطيع المخالف أن يزيح هذه الإشكالات والمعارضات عن هذا الإجماع المدعى؛ حتى يكون الاستدلال صحيحًا مستقيمًا؟

الأمر الرابع: دعوى المخالف أن هذا الإجماع عام في عموم الشريعة في عذر الجاهل، في أصولها وفروعها وسائر مسائلها، هذا يردّه أن العلماء أنفسهم قد اختلفوا في عذر الجاهل في مسائل الفروع، فرجح علماء المالكية عدم عذره بالجهل، ورجح غيرهم عذره بالجهل في مسائل الفروع، وإن كان المعتمد كما أوضحنا لك أن الجاهل معذور في مسائل الفروع إذا كانت غير مشتهرة وخفية؛ فكيف يقال إن ذلك الأمر سار في كل مسائل الشريعة، والخلاف قائم منصوص عليه حتى في مسائل الفروع؟!. راجع ما نقله الإمام محمد بن الحسين المالكي في"القواعد السنية في الأسرار الفقهية" (2/ 163 - 165) ، حيث نقل عن المالكية ما أوضحناه" [1] ."

الأمر الخامس: مما يضعف وينقض دعوى المخالف أيضًا في أن الإجماع عام في عذر الجهال في عموم الشريعة، أصولها وفروعها- اختلاف العلماء أنفسهم في تكفير جاهل الصفة، فاختار ابن جرير الطبري تكفير جاهل الصفة، ونقله عنه القاضي عياض المالكي، ونسبه إلى طائفة من العلماء، ونقله النووي أيضًا في شرح مسلم عن الإمام الطبري وطائفة من العلماء [2] .

(1) - وراجع أيضًا في إثبات مخالفة الأحناف للعلماء. في مسألة عدم عذر الجاهل في الفروع؛ ما نقله الإمام الكشميري الحنفي في فيض الباري شرح صحيح البخاري: (1/ 180) .

وراجع أيضًا عدم إعذار المالكية الجاهل في كثير من مسائل الفروع،"مسائل لا يعذر فيها بالجهل على مذهب الإمام مالك"، ط دار الغرب الإسلامي.

(2) - نقل هذا عن الإمام الطبري الإمام النووي في شرح مسلم: (17/ 71) ، حيث قال موضحًا اختلاف العلماء في تكفير جاهل الصفة:"وقالت طائفة: هذا الرجل جهل صفة من صفات الله تعالى، وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة، قال القاضي. وممن كفره بذلك ابن جرير الطبري. وقاله أبو الحسن الأشعري أولًا. وقال آخرون: لا يكفر بجهل الصفة، ولا يخرج به عن اسم الإيمان بخلاف جحدها. وإليه رجع أبو الحسن الأشعري وعليه استقر .."ونقل هذا الاختلاف الإمام القاضي عياض المالكي المحدث في كتابه الشفا في تعريف حقوق المصطفى: (2، 278) ، وقد نقل الإمامان الجليلان القرافي المالكي وابن الشاط المالكي في معرض كلامهم عن جهل الصفات فقالا:"فإن جهل الصفة ولم ينفها كفره الطبري وغيره، وقيل: لا يكفر، وإليه رجع أبو الحسن الأشعري راجع الفروق وتهذيب الفروق: (4/ 125) . وقد نقل، هذا الخلاف أيضًا الإمام أبو بطين النجدي الحنبلي في كتابه"الانتصار"، رجح رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في عدم تكفير جاهل الصفة؛ لأن هذا النوع من المسائل يدخل تحت باب عدم الإكفار في المسائل الخفية، وهذه المسألة من هذا النوع، وهذا الذي نقلناه من اختلاف العلماء في تكفير جاهل الصفة، مما يبطل لك هذا الإجماع الذي يقول بعموم عذر الجاهل في جميع الديانة، وفي جميع مسائل الشريعة أصولًا وفروعًا."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت