7 -يقول الإمام الشافعي:
العلم علمان: علم عامة لا يسع أحدًا غير مغلوب على عقله جهلُه وقال:"ومثل ماذا؟ قلت مثل: الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم، وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا مما كُلِّف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم، وأن يكفوا عنه مما حُرِّم عليهم منه، وهذا الصنف كله من العلم موجود نصًا في كتاب الله، وموجود عامًا عند أهل الإسلام، ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم، وهذا العلم الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر، ولا التأويل، ولا يجوز فيه التنازع، قال: فما الوجه الثاني؟ قلت له: ما ينوب العباد من فروع الفرائض، وما يخص به من الأحكام، وغيرها مما ليس فيه نص كتاب، ولا في أكثره نص سنة، إن كانت في شيء منه، فإنما هي من أخبار الخاصة لا أخبار العامة" [1] .
ولعل كلام الشافعي رحمه الله واضح في أن هناك أمورًا من العلم لا يسع أحدًا من المسلمين جهلُها، ما دام غير مغلوب على عقله، وإذا كان الإمام الشافعي قد عد الصلوات الخمس والفرائض من العلم الذي لا يمكن فيه الغلط مع الخبر ولا التأويل لإجماع الأمة على هذه الفرائض -فإن التوحيد أولى باعتباره كذلك؛ لأنه من أعظم الفرائض، وبه أنزلت الكتب، وأرسلت الرسل.
8 -قول الإمام القرافي المالكي:
يقول الإمام القرافي عن أدعية الصوفية، التي يقع فيها من الكلام ما يكون شركًا وكفرًا يخرج عن ملة الإسلام"واعلم أن الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية، ليس عذرًا عند الله؛ لأن القاعدة الشرعية دلت على أن كل ما يمكن المكلف دفعه، لا يكون حجة للجاهل عند الله"، ثم قال:"نعم الجهل الذي لا يمكن دفعه بمقتضى العادة يكون عذرًا، كما لو تزوج أخته يظنها أجنبية .. وأصل الفساد الداخل على الإنسان في هذه الأدعية هو الجهل، فاحذر منه، واحرص على العلم؛ فهو النجاة، واحذر الجهل فهو الضلال .." [2] .
9 -وتفصيل هذا الكلام من الكتاب الفذ"الفروق"للإمام القرافي وهوامشه بيانه كالتالي:
يقول الإمام القرافي:"واعلم أن الجهل نوعان: النوع الأول: جهل تسامح صاحب الشرع عنه فعفا عن مرتكبه، وضابطه أن كل ما يتعذر الاحتراز عنه عادة فهو معفو عنه."
النوع الثاني: جهل لم يتسامح صاحب الشرع عنه، فلم يعف عن مرتكبه، وضابطه أن كل ما لا يتعذر الاحتراز عنه، ولا يشق لم يعف عنه، وهذا النوع يطرد في أصول الدين وأصول الفقه، وبعض أنواع الفروع، وأما أصول الدين؛ فلأن صاحب الشرع لما شدد في جميع الاعتقادات تشديدًا عظيمًا، بحيث أن الإنسان لو بذل جهده، واستفرغ وسعه لرفع الجهل عنه في صفة من صفات الله أو في شيء يجب اعتقاده من أصول الدين، ولم يرتفع ذلك الجهل لكان بترك ذلك الاعتقاد آثمًا كافرًا يخلد في النيران على المشهور من المذاهب" [3] ."
10 -يقول الإمام القرافي في كتابه"الفروق"في معرض حديثه عن بعض الأدعية التي تقع من جهال الصوفية، ويقع فيها من الكفر والشرك ما يخرج صاحبه عن ملة الإسلام، وهو جاهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية فيقول:"واعلم أن الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية ليس عذرًا للداعي عند الله تعالى؛ لأن القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل؛ فإنه الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسائله وأوجب عليهم كافة أن يعلموها ثم يعملوا بها، فالعلم والعمل واجبان، فمن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلًا فقد عصى الله معصيتين لتركه واجبين، وإن علم ولم يعمل فقد عصى معصية واحدة بترك العمل، ومن علم وعمل فقد نجا .."إلى أن قال رحمه الله في ختام حديثه موضحًا أن هناك نوعًا آخر من الجهل يتعذر على المكلف دفعه، وهو الذي يقع فيه عذر الجاهل- فيقول:"نعم الجهل الذي لا يمكن دفعه بمقتضى العادة يكون عذرًا، كما لو تزوج أحته يظنها أجنبية، أو شرب الخمر يظنه خلا، أو أكل طعامًا نجسًا يظنه طاهرًا مباحًا، فهذه الجهالات يعذر بها؛ إذ لو اشترط اليقين في هذه الصور وشبهها لشق على المكلفين؛ فيعذرون بذلك ..".
وقد أقر الإمام ابن الشاط في كتابه"تهذيب الفروق"هذه القاعدة الجليلة في التفريق بين المسائل التي يقع فيها الإعذار والمسائل التي لا يقع فيها الإعذار، ووافق الإمام القرافي المالكي على ذلك وعلق بقوله:"قال: واعلم أن الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية .. إلى آخره، قلت"الكلام لابن الشاط"ما قاله في هذا الفصل كله صحيح، إلا ما قاله من"
(1) - الرسالة للإمام الشافعي: (ص357 - 360) بتحقيق الشيخ أحمد شاكر ط/ مكتبة التراث).
(2) - الإعلام بقواطع الإسلام المطبوع مع الزواجر لابن حجر الهيتمي: (ص76) ط/ الشعب.
(3) - الفروق: (2/ 149) وما بعدها ط/ بيروت وفي بعض كلامه رحمه الله نظر وهو قوله (لو بذل جهده واستفرغ وسعه) إلى آخره وسيأتي تحقيق ذلك في فصل مستقل بإذن الله.