فهرس الكتاب
يقصد أن يضل، ولم يفرق الله سبحانه وتعالى بين هذا الفريق، وبين من ضل على علم؛ بل شمل حكم الضلال كلا من الفريقين، ورأس الضلال هو الخروج من دين الله تبارك وتعالى؛ فهذا الإمام ابن جرير يوضح لنا أن هذه الآية من أبلغ الرد على الذين يزعمون أن الله تعالى لا يوقع العقوبة على معتقد الضلال، أو مرتكبه إلا بعد العلم والقصد، ويوضح ابن جرير أنه لو كان الأمر كذلك لتساوى فريق الضلالة الذي يحسب أنه مهتد مع فريق الهدى بجامع رفع العقوبة عن كليهما، وهذا باطل؛ لأن الله فرق بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية.
1 -يقول الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية:
"وهذا من أبين الدلالة على خطأ قول من زعم أن الله لا يعذب أحدًا على معصية ركبها، أو ضلالة اعتقدها إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادًا منه لربه فيها؛ لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل، وهو يحسب أنه مهتد، وفريق الهدى فرّق، وقد فرق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية" [1] .
2 -يقول القاسمي:"وحاصله كما قال القاضي: إن الآية دلت على أن الكافر المخطئ والمعاند سواء في استحقاق الذم. قال القاضي: وللفارق أن يحمله على المقصر في النظر، أي: يحمل الضمير في (اتخذوا) على الكافر المقصر في النظر، وأما الذين اجتهدوا وبذلوا الوسع فمعذورون كما هو مذهب البعض، كذا في"العناية"."
3 -ويقول الإمام البغوي في تفسيره لهذه الآية:"فيه دلالة على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء" [2] .
الدليل الرابع:
قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) [الكهف: 103 - 105] .
(1) - تفسير الطبري: (12/ 388) ط دار المعارف، ونقله ابن كثير عنه: (2/ 209) ط بيروت، وأقره القاسمي: (7/ 53) ط بيروت.
(2) - تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل: (2/ 156) ط بيروت.