فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 402

فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي والجهر له بالقول يخاف منه أن يكفر صاحبه وهو لا يشعر ويحبط عمله بذلك، وأنه مظنة لذلك وسبب فيه؛ فمن المعلوم أن ذلك لما ينبغي له من التعزيز والتوقير والتشريف والتعظيم، والإكرام والإجلال، ولما أن رفع الصوت قد يشتمل على أذى له، واستخفاف به، وإن لم يقصد الرافع ذلك، فإذا كان الأذى والاستخفاف الذي يحصل في سوء الأدب من غير قصد صاحبه يكون كفرًا؛ فالأذى والاستخفاف المقصود المتعمد كفر بطريق الأولى" [1] ."

فالشاهد من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أن رفع الصوت قد يؤدي إلى كفر صاحبه، وخروجه عن الإسلام، وهو لا يشعر، ولا يقصد الخروج منه، وفي هذا أدل دليل على أن الردة قد تتمكن من الإنسان بحيث يكفر، ويخرج من الملة، وهو لا يشعر، ولا يقصد، وليس ذلك خاص برفع الصوت فقط بل إن العلماء قد استنبطوا الحكم السابق كحكم عام غير مختص بمسألة معينة، وإليك ما قاله فخر الدين الرازي الشافعي صاحب التفسير الكبير؛ قال رحمه الله في تفسير الآية السابقة:"قوله (أَن تَحْبَطَ) :"إشارة إلى أن الردة تتمكن من النفس بحيث لا يشعر الإنسان .." [2] . وقد استنبط حكمًا عامًا من الآية وهو قوله:"إشارة أن الردة تتمكن من النفس بحيث لا يشعر الإنسان"وعدم الشعور هنا مستلزم لعدم العلم بأنه قد ارتكب ردة، وقوله سبحانه: (لَا تَشْعُرُونَ) أي: لا تعلمون، وفي هذا يقول البخاري في كتاب التفسير من صحيحه في معنى تشعرون قال: باب قوله: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) الآية: تشعرون: تعلمون، ومنه الشاعر [3] ونقله الحافظ ابن حجر عن أبي عبيدة في الشرح [4] ."

الدليل الثالث:

قال تعالى: (فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) [الأعراف: 30] .

فوجه الدلالة من الآية أن الله تبارك وتعالى أخبر أن الناس على فريقين: فريق الهدى، وفريق الضلالة، وأخبر أن فريق الضلالة قد وقع فيها، وهو يظن أنه على الحق والهدى، أي لم

(1) - الصارم المسلول: (ص54 - 56) .

(2) - التفسير الكبير، المسمى مفاتيح الغيب: (28/ 114) ط المطبعة البهية المصرية.

(3) - البخاري (فتح) : (8/ 454) ط بيروت.

(4) - فتح الباري: (8/ 455) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت