فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 402

دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزاح واللعب" [1] ."

الدليل الثاني من القرآن:

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [الحجرات: 2] .

فدلالة الآية واضحة بأن المرء قد يقع في الكفر أو الشرك، وهو لا يشعر، ولا يقصد الوقوع في ذلك فلا يكون عدم قصده رافعًا للإثم الشرعي عنه، وهذا واضح بنص ومنطوق الآية وإليك ما قاله الشيخ الإسلام ابن تيمية في تفسيره لهذه الآية، قال رحمه الله بعد أن ذكر هذه الآية:

"فوجه الدلالة أن الله سبحانه نهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وعن الجهر له كجهر بعضهم لبعض؛ لأن هذا الرفع والجهر قد يفضي إلى حبوط العمل وصاحبه لا يشعر؛ فإنه علل نهيهم عن الجهر وتركهم له بطلب سلامة العمل عن الحبوط، وبين أن فيه من المفسدة جواز حبوط العمل، وانعقاد سبب ذلك، وما قد يفضي إلى حبوط العمل يجب تركه غاية الوجوب، والعمل يحبط بالكفر؛ قال سبحانه: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) [البقرة: 217] ، وقال تعالى: (وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) [المائدة: 5] ، وقال: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 88] . وقال: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: 65] ، وقال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) [محمد: 9] كما أن الكفر إذا قارنه عمل لم يقبل؛ لقوله تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) [محمد: 1] وقوله: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ) [التوبة: 54] وهذا ظاهر، ولا يحبط الأعمال غير الكفر؛ لأن من مات على الإيمان، فإنه لا بد أن يدخل الجنة، ويخرج من النار إن دخلها، ولو حبط عمله كله لم يدخل الجنة قط، ولأن الأعمال إنما يحبطها ما ينافيها، ولا ينافي الأعمال مطلقًا إلا الكفر، وهذا معروف من أصول أهل السنة."

نعم قد يبطل بعض الأعمال بوجود ما يفسده كما قال تعالى: (لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى) [البقرة: 264] ، ولهذا لم يحبط الله الأعمال في كتابه إلا بالكفر.

(1) - مجموعة التوحيد: (ص93 - 94) ط دار الفكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت