فهرس الكتاب
يُقْيضْ له شيطان يوقعه في سبل الضلال -التي هي رأس الكفر- ويحسب نفسه أنه على الحق والهدى ولا يعد ظنه أنه على الهدى عذرا له عند الله بعد أن أعرض عن الحق.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:
"فأخبر -سبحانه- أن من ابتلاه بقرينه من الشياطين، وضلاله به إنما كان بسبب إعراضه وعشوّه عن ذكره الذي أنزله على رسوله، فكان عقوبة هذا الإعراض أن قيّض له شيطانًا يقارنه فيصده عن سبيل ربه وطريق فلاحه وهو يحسب أنه مهتد، حتى إذا وافى ربه يوم القيامة مع قرينه، وعاين هلاكه وإفلاسه قال: (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) [الزخرف: 38] وكل من أعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكر الله، فلا بد أن يقول هذا يوم القيامة. فإن قيل: فهل لهذا عذر في ضلاله إذ كان يحسب أنه على هدى كما قال تعالى: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) ، قيل: لا عذر لهذا وأمثاله من الضلال الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول، ولو ظن أنه مهتد، فإنه مفرّط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى، فإذا ضل فإنما أتى من تفريطه وإعراضه، وهذا بخلاف من كان ضلاله لعدم بلوغ الرسالة، وعجزه عن الوصول إليها، فذاك له حكم آخر، والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول، وأما الثاني فإن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه كما قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15] ، وقال تعالى: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [النساء: 165] ، وقال تعالى: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) [الزخرف: 76] [1] ."
فقد فرق الإمام ابن القيم رحمه الله بين نوعين:
الأول: من هو قادر متمكن من تعلم الهدى، ولكنه فرط بإعراضه عن داعي الهدى وهو القرآن، فمنشأ ضلاله من التفريط والإعراض فهذا لا عذر له وإن ظن أنه على هدى.
الثاني: غير المتمكن من الوصول إلى الهدى لعدم بلوغ الرسالة إليه وعجزه عن الوصول إليها فهذا حكم آخر، والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول الذي أقام حجته عليه بالرسالة والقرآن، وتفصيل هذه الأنواع وأحكامها مبسوطة في كتاب"طريق الهجرتين"تحت عنوان (طبقات المكلفين) .
ويقول الإمام الطبري في تفسير لتلك الآية المتقدمة:
(1) - مفتاح دار السعادة (1/ 47 - 48) لابن القيم.