ويرجع الشاعر ظاهرة الجلال التي تكسو الجزائر وتلتصق بها إلى عدة اعتبارات دينية ووطنية وجغرافية ويلخص ذلك المقطع 18(ص 36 -
ط 1987)، والذي يؤكد أن تربّع الجزائر على عرش الجلال يعود إلى كونها مهبط الوحي ومهد الرسالات:
ألا .. ما لهذا الحساب .. ومالي ...: ... وصحراؤنا نبع هذا الجمال
هنا مهبط الوحي للكائنا ...: ... ت، حيال النخيل وبين الرمال
ومهد الرسالات للعالمين ...: ... ونور الهدى، ومصب الكمال
هنا العبقريات والمعجزا ...: ... ت، وصرح الشموخ، وعرش الجلال
هذه الأبيات تزدحم بالمفردات الدينية الموحية، فالصحراء- وهي جزء لا يتجزأ من التراب الجزائري- مهبط الوحي- وشبه الجملة هذه، مهبط الوحي، تحيل إلى ثلاثة سياقات مختلفة، السياق الأول وهو السياق الأصلي، سياق ديني فمهبط الوحي هو غار حراء حيث كان يتصل جبريل عليه السلام بسيدنا محمد (ص) ويبلغه الرسالة، والسياق الثاني هو السياق الشعري، لأن الوحي الشعري أو (الإلهام) كان ينزل على الشاعر في الصحراء حيث مسقط رأسه وحيث بدأ التعامل مع الكلمة، أما السياق الثالث فهو السياق الثوري حيث كانت الصحراء- مثل كل التراب الجزائري- مكانًا للتحضير للثورة وتدارس مصير الشعب الجزائري، ولكن السياق الشعري هو الذي يسيطر عليها ويضفي عليها جوًا حلميًا يقترب من أجواء الرومانسيين أمثال الشابي وإبراهيم ناجي خاصة، -ويمكن أن نلاحظ قرينة أسطورية ترتبط بالوحي الشعري وهي (العبقريات) (البيت الثالث) وهي إحالة إلى أسطورة وادي عبقر الذي كان يزود الشعراء بالشياطين التي تكتب لهم القصائد، ولكن السجل الشعري يتحول من النغمة الحلمية ليبدأ البيت تحركه داخل السجل الوطني، فالمعجزات أصبحت صفة مميزة للإنجازات الحضارية والتحررية التي حققتها الجزائر، وهذا ما تؤكده السياقات الشعرية العديدة"للإلياذة"يمكن ملاحظة تطابق آخر من مكونات الملحمة الإغريقية"والإلياذة"الجزائرية، وهو ما تمثله شبه الجملة- عرش الجلال- وهي إحدى تجليات القدرة الإلهية، ولكنه في سياق الإلياذة يساوي بين عرش الجلال وبين الصحراء التي هي مهبط الوحي ومهد الرسالات والعبقريات والمعجزات، ونجد هذا مقابلًا في الملحمة حيث نصادف جبل"الأولمب"وهو الجبل الذي تجتمع فيه الآلهة وأنصاف الآلهة لتدبير شؤون الكون وردّ الكوارث أو إنزالها إلى غير ذلك من الأمور.