وهذا دليل الوطنية التي لا تعرف الحدود وتبنّي قضية شعبه واعتبارها عقيدة ثانية.
واستعمال"لولا"لا يجعل الفكرة الأولى تلغي الثانية، بل على العكس من ذلك توحدهما على صيغة المقولة"حب الوطن من الإيمان"أي جعل حب الوطن والتفاني في حبه شرط من شروط الإيمان الكامل، إذ لا يمكن تصور مؤمن لا يحب وطنه مهما كانت حاله لأن الجهاد ركن من أركان الإيمان، والحوادث التاريخية ذات الدلالة المشابهة كثيرة جدًا وأكثر من أن تحصى في هذا المجال.
ولعل الذي جعل الشاعر يؤمن بأن حب الشعب جزء من العقيدة التي يدين هو احترامه للحكمة المقدسة التي تربط بين جميع أفراد هذا الشعب واعتبارهم إخوة، -فهذه اللحمة هي في نظره مقدسة-، والتأكيد على هذا الرابط كفيل بتوليد القوة التي تتفجر في وجه العدو لأن"الاتحاد قوة".
ففي كل درب لنا لحمة ... مقدسة من وشاج وصلب
والشيء المقدس هو الذي لا تتناوله يد العابثين والمستعمر أو الذين يغرر بهم، واستعمال الشاعر للفظ لحمة فيه تلاحم، أي أن هذا البناء لا يترك أية ثغرة تغري بالتسلل وهي رمز الاتحاد والانسجام، وقريبًا من هذا السياق يقول الشاعر عز الدين المناصرة عن بلده"ولي في نواديك صحب" (الخروج من البحر الميت) وتتكرر عنده أداة الملكية (لي، ولي، ولي ... ) غير أن مفدي استعمل أداة الملكية (لنا) بصيغة الجمع وهذا يعود إلى اختلاف في الرؤية الفنية.
وإذا كانت صفة الجلال التي تناولناها فيما سبق تثير الرهبة، فإن من مسببات هذا الجلال هو إثارة الخشوع في نفس من يدرك هذا الجلال، وتربة الجلال كما قال الشاعر كفيلة بإثارة هذا الإحساس (الخشوع) :
تجثو الثلوج على قدميه ... خشوعًا، فتسخر منها الذرى
هو الأطلس الأزلي الذي ... قضى العمر يضع أسد الشرى
إن الأزلي (في البيت الثاني) هو الذي يثير الخشوع (في البيت الأول) ، فالجلال الذي يكتسي جبال الشريعة هو جزء من جلال الأطلس وهو اكتسب قدرة إثارة الخشوع من صفته الأزلية، وصفة الأزلي، بالإضافة إلى كونها تشكل جزءًا من القاموس الديني وصفات قدم المخلوقات، فإنها من جهة ثانية تؤكد على عراقة الشعب والأرض وامتدادها في التاريخ البشري، والبيتان صورة مركبة من سلسلة جبال الأطلس ودلالتهما تملك التاريخ وتحويله إلى الوجهة التي يريدها الشعب.