فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 233

"إشارة حرة"ويأتي الفعل"شرع"مطابقًا لمعنى الشرع، أي ما أكدته العقيدة الإسلامية وفي الأخير يصبح جبل الشريعة أحد تجليات ودلائل قدرة الخالق، ويمكن أن نلاحظ أن هذه الصورة تتحرك في سياق ديني محض، حيث يربط قدم العقيدة الإسلامية بقدم جبل الشريعة، وهذا يعتبر رد فعل على محاولة استئصال الشخصية الجزائرية من قبل قوى الاستعمار، وهو مرة أخرى تأكيد على صفة المغايرة الحضارية بين المستعمر الدخيل وعراقة الشعب الجزائري وتميّزه.

يمكن ملاحظة سياق آخر وردت فيه"الجزائر"مرتبطة بسياق ديني، وهذه المرة ليس الجلال كهيبة هو الذي يحكم الموصوف، -الجزائر ويؤطره، بل اعتبار الجزائر"بدعة"والبدعة لغة هو كل ما خالف المألوف وخرج عن المتعارف، لأن الجزائر ابتدعت أسطورتها المتمثلة في تحطيم أسطورة التفوق العسكري لأكبر الدول الاستعمارية، والبيت الآتي يوضح هذا السياق:

جزائر، يا بدعة الفاطر ... ويا روعة المانح القادر

في البيت صفتان من صفات الجزائر، فهي بدعة أي خرجت عن المتعارف وفي الشطر الثاني روعة، فالبدعة ليست ما يثير الانتباه فحسب، ولكنها روعة، أي منتهى السحر والجمال والصفة الثانية (الروعة) تستمد دلالتها من الأولى (البدعة) ، ويمكن ملاحظة الترابط الدلالي العميق بين الصفتين (البديع والرائع) فكل ما هو بدعة فإنه مثير للإعجاب، ويقوي الشاعر هذه الفكرة حين ينسب البدعة إلى الفاطر والروعة إلى القادر، فلو أنه نسب البدعة والروعة إلى الشعب الجزائري أو إلى قائد من القادة فإنه يجعل- بذلك- الصورة تتحرك في إطار بطولي (كما يمكن أن يلاحظ في الأساطير والملاحم حيث يستحوذ البطل على كل الصفات) أما وأنه نسب هذه الأفعال إلى الفاطر القادر فإنه جعل الصورة تتحرك في سياق ديني محض استمد مفرداته من العقيدة الإسلامية (البدعة، الفاطر، القادر) وهذه المفردات تنتمي إلى المجال الديني الإسلامي، ويتجلى هذا الوعي بمفارقة الإلياذة الجزائرية للملاحم الأخرى التي ترتكز على المعتقدات الوثنية عندما يقول:

ولولا العقيدة تغمر قلبي ... لما كنت أومن إلا بشعبي

وهذا البيت يؤكد الملاحظات السابقة التي سقناها وهي اعتبار الفاطر القادر هو الذي منح الروعة للجزائر واستعماله"لولا"فإنه يضع البيت أو الفكرتين موضع الرجحان، لولا العقيدة التي يؤمن بها لكان الإيمان بشعبه أقوى من كل إيمان،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت