فالجلال في هذا السياق مرتبط بالتيه، والتيه من معانيه الهيام والذوبان، بهذا المعنى تصير تربة الجزائر معجزة بالجلال أي من مكوناتها الجلال، وبما أن الجلال صفة معنوية غير محسوسة فإن الجلال ملمحًا من ملامح"التربة". وفي البيت الثاني يربط الجلال بالجمال لسببين: الأول بلاغي، أي وقوع الصفتين (أو الإشارتين) موقع جناس، والثاني هو إمكانية ربط الجلال بالأسرار كما يمكن ربط الجمال بالقمم الشاخات، وهكذا يتقاطع البيتان على مستوى المعنى ويلتحمان إذ تمثل الصفتان نقطة مفصلية بين البيتين.
نلاحظ أن الشاعر يؤكد مرة أخرى على صفة الجلال مجسدة في قمم جبال"الشريعة"وهذه الصورة وثيقة بالصورة السابقة:
أيا ومضة من جلال الشريعة ... ويا هبة من هبات الطبيعة
تتأكد قيمة صفة الجلال وارتباطها بالجمال الإيماني حين يعتبرها"هبة من هبات الطبيعة"ومن ناحية أخرى فإن هذه الصفة مقرونة بجمال الطبيعة وخاصة الهيبة التي يستشعرها الشاعر أمام قمم الجبال الشامخة، -وهذه الصورة والإحساس نجدها تكاد تكون نمطية.-
وتتكرر في عدد من قصائده في"اللهب المقدس"مثل من جبالنا، قسمًا وهذه الصورة النمطية تذكرنا بافتتان"ابن خفاجة"بالجبل وقصيدته المشهورة.
في الأبيات السابقة تتشابك فيما بينها، وعن طريق تشكيل جديد لإشاراتها اللغوية ونظمها بطريقة جديدة تعطينا بعدًا من أبعاد الشخصية الجزائرية والتي كانت أكثر النقاط التي استهدفها الاستعمار أثناء حملته على الجزائر.
يقول الشاعر:
شريعتنا، كجلال الشريعة ...: ... كمالاتُها راسخات ضليعة
كأن الذي شرع الصالحا ...: ... ت، أقام الدليل على الشريعة
في البيتين استعملت الشريعة ثلاث مرات ومرة جاءت في صيغة فعل (شرع) ، ففي الموضع الأول (البيت الأول) شريعتنا، ترتبط بالجمال الديني، أي الشريعة الإسلامية، أما في الموضع الثاني (البيت الأول دائمًا) فإن الشريعة إشارة إلى الجبل المعروف وقد ربط بين الإشارتين بصفة الجلال، وقد أكد هذه المشابهة بإحدى أدوات التشبيه التي هي الكاف، كما يمكن أن نغير مواقع الكلمتين"الشريعة"دون أن يحدث تغيير على مستوى المعنى، أي أن هذه الكلمة تصبح