جزء واحد بل ينظر إلى الجزائر نظرة كلية شاملة تتجلى في حبه للإنسان وللتاريخ وللأرض، وهكذا تصير نظرته نظرة حضارية لا تعمل على تكريس التاريخ بأمجاده فحسب ولكنها تقدس الراهن أيضًا.
ولعل أكبر تجلٍ لهذه الظاهرة هو نظمه لهذه الإلياذة/ الملحمة وتعبيره عن حبه للإنسان والأرض والتاريخ واعتبارهما وحدة لا تتجزأ، وهي تمثل رصدًا لحركة التاريخ في انكساراته وتواصله.
يقول مفدي:
بلادي، وقفت لذكراك شعري ...: ... مخلد مجدك في الكون ذكري
وألهمتني فصدعت الدنا ...: ... بإلياذتي في اعتزاز، وفخر
وأن يجحدوني .. فحسبي أني ...: ... وهبت الجزائر فكري وعمري
إن تخليد الشاعر لذكرى بلاده هو تخليد لذاته كفرد داخل هذه البلاد، فالتجاوز هنا رجعي، فالشاعر شكل من أشكال التعبير كما أنه وسيلة من وسائل تثبيت التاريخ والقبض على اللحظات الهاربة المنزلقة، إن الشعر من هذا المنظور هو تجاوز الراهن للدخول في الديمومة. والتخليد هنا هو شكل من أشكال أسطرة (خلق الأسطورة) الجزائرية وربط التاريخ الجزائري بالتاريخ الإنساني، وبلاد الشاعر هي مصدر الإلهام، أي المحبوبة التي تفانى في عشقها وعانى في سبيلها.
وهي بالإضافة إلى كونها مصدر التجربة الشعرية والملحمة للإلياذة فهي في ذات الوقت مصدر اعتزاز وفخر، يظهر هذا الاعتزاز في النصر والانتماء إلى هذا الشعب المنتصر، لأن"الإلياذة"هي البؤرة التي فجرت الغناء بأمجاد الجزائر، فإذا حدث أن جحد حب الشاعر فعزاؤه أنه تفانى في حب الجزائر وغنى لهزائمها وانتصاراتها.
فالشعر هنا -في مفهوم الشاعر- هو وظيفة وليس غاية، وظيفة مزدوجة: هو شكل من أشكال التطهير وإخراج التجربة الشعرية من الداخل وعرضها على الآخرين وسرد تفاصيلها؛ والوظيفة الثانية هي"كتابة التاريخ بالدم"لأن التجربة الشعرية هي تجربة الموت وهي تراجيديا العالم.
ومفهوم مفدي زكرياء للشعر على أنه وظيفة وليس غاية في حدّ ذاتها ينبع من الظرف التاريخي الذي تكونت فيه ثقافة الشاعر حيث كان الشعر أداة من أدوات النضال وليس ترفًا وبذخًا.