وهذا ما يمكن أن يلاحظ على باقي أعماله الشعرية حيث نلاحظ الاهتمام بالرسالة الشعرية والتأكيد عليها على حساب الحوامل الفنية وأدوات التعبير المتأنقة، وهذه هي سمة الشعر المناضل الذي يكرس كل طاقاته التعبيرية للدفاع عن قضية من قضايا الإنسان.
ولعل الذي دفع الشاعر إلى إعلاء المضمون على حساب الشكل هو الحضور الفوري للموضوع على صيغة تقديمه وفرض جماله وأسره لِلُبّ الشاعر الذي ملك عليه كل أحاسيسه وجعله يخاطبه بطرائق وصفية معبرة عن عجزه أمام فتنة وإغراء موضوعه (الجزائر) لأنه موضوع"تعجز عنه اللغة":
بلادي، أحبك، فوق الظنون، وأشدو بحبك في كل نادي/
عشقت لأجلك كل جيل وهمت لأجلك، في كل وادي ...
ومن هام فيك، أحب الجمال، /
وإن لامه الغشم، قال: بلادي /
وأرسلت شعري ... سوق الخطى/
بساح الفدا .. يوم نادى المُنادي .. /
هذه العاطفة المتأججة تتجلى في صيغ التكرار البياني المتمثل في استخدام النداء في الكلمة الأولى مع حذف أداة النداء (يا) واستعمال أحبك مع فصلها عن النداء بفاصلة وذلك لكي يتمكن من مد صوت النداء والتأكيد عليه، ثم استعمال فعل (أشدو) و (بحبك) لأن الشدو لا يأخذ معناه إلاّ إذا اقترن بلوعة هذا الحب، ثم استعمال الشاعر لفعلي (عشقت) و (همت) وهي درجات أقصى للحب ويأتي تأكيده على المحب="وإن لامه الغشم، قال: بلادي"تكرار للمُنادى الأول بلادي. وهذا للنغمة المحببة التي يتصف بها الموضوع. ويبدو عدم تملك الموضوع وتمنعه عن الشاعر لمغالاته في حبه في أسلوب التدوير العروضي لأن عاطفته الملتهبة لم تستطع أن تمهله ريثما ينتقي الكلمات التي يمكن أن تخضع لتقطيع التفعيلة والانتهاء بنهاية الشطر الأول.
وبعد هذا"الضغط"الشعري يتنفس الشاعر ويرسل نفسه الشعري متوازن الخطى في البيت الثالث الذي يعتبر هبوطًا في التجربة الشعرية لتأتي الجملة تقريرية ووصفية لما قام به الشاعر الذي لبى النداء يوم طلب منه المحبوب تقديم دلائل حبه والاستجابة إلى هذا الطلب.
وبعد أن تفانى الشاعر في حب معشوقته بلاده،"وهام، مع الشعر في كل"