فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 233

وادي"كما وصف القرآن الكريم جل الشعراء، فإن مفدي زكرياء يطلب المغفرة من الله متوسلًا بالشعر والابتهال، وتقترب الصورة الشعرية التي يتوب فيها الشاعر إلى الله بعد أن أغرقته ذنوبه من إحدى زهديات أبي نؤاس التي يقول فيها ما معناه: إلهي إن جلت ذنوبي فإن رحمتك أعظم، يقدم مفدي ابتهاله وتوبته إلى الله في أبيات شعرية تدل على الخشوع والتوبة الصادقة:"

فيا رب قد أغرقتني ذنوبي: وأنت العليم بما في الغيوب

أتوب إليك بإلياذتي: عساها تكفر عني ذنوبي

عصيتك علمًا بأنك تعفو: على المسرفين فهانت خطوبي

ولولا صفاتك: رب غفو: ر، رحيم، لضاقت علي دروبي

وصورتني شاعرًا مرهفًا: يهب الصبا والهوى لهبوبي

ولولا الجمال لعشت عقيمًا: وما همت يومًا بغزو القلوب

قارئ هذه الأبيات يخرج بفكرة هي طغيان الكلمات الدينية التي تدل على عقيدة الشاعر وتوبته، وتتمثل في النداء، يا رب ثم الذنوب وعليم الغيوب، وأتوب، والتكفير، وتتكرر كلمة (ذنوبي) مرتين لتعميق إحساس الشاعر بالخطيئة، ثم العصيان الذي يأتي مقابل التوبة وهو على مستوى التجربة يأتي سابقًا على التوبة، ثم أسماء الله الحسنى: عليم، غفور، رحيم. وهكذا تتحرك الأبيات الثلاثة الأولى في جو ابتهالي تطغى عليه صفات الله: رحيم-غفور- عليم ... والمطالبة بالعفو والمغفرة بعد ارتكاب الخطيئة وهي"الهيام مع الشعر في كل وادي"و"هبة الصبا والهوى"وعشق الجمال"و"الهيام بغزو القلوب"وذنب الشاعر أن الله"صوره شاعرًا مرهفًا"ودليل توبته وعلامتها هي ما قدمه في إلياذته"أتوب إليك بإلياذتي"حيث برهن فيها شعريًا على أن حب الوطن من الإيمان، وأنه لم يكرس إلياذته للتغني بجِنّيةٍ وهمية أو امرأة تخطئ وتصيب حتى يأتي أجلها فتفنى."

فإذا كانت اللوحة/ المقطع الأول في الإلياذة يشبه"البرولوج"أي تقديم البطل مع كل أدواته وصفات البطولة المكرسة لأجله، فإن المقطع الأخير يعتبر بحق"إِبيبلوج"فهو بالإضافة إلى كونه يندرج في منظور الخطيئة /الحب والعشق والتكفير/ الشعر والمعاناة، فهو سلام للشعر وتمجيد لوظيفته التي أخرجت هذا الحب التاريخي من الداخل إلى الخارج أي الواقع الشعري، إن هذا المقطع هو احتفال بالشعر.

وهذه الصفة الشكلية تجعل"إلياذة الجزائر"تقترب في بنيتها من الإلياذة التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت