تتأكد هذه الملاحظة خاصة إذا رجعنا إلى تاريخ كتابة هذه القصيدة ومكانها، فالمكان الذي كتبت فيه هو البصرة حيث يتناغم الشعر مع الموت ويتزاوج الفناء مع الإبداع الحضاري، إن الظرف الذي كتب فيه هذه القصيدة ظرف مشحون بالألغام والموت والدمار، يرافق ذلك حلم بالبعث وزمن الصحو"غدًا تصحو الخيول".
إن الصحوة التي يحلم بها الشاعر هي صحوة الأمة العربية بعد القضاء على من رموها في"كهوف الفقر والنسيان"وإزالة كل معيقات التطور والإبداع الحضاري.
انطلاقًا من هذه الملاحظة المبدئية يمكن التأسيس النظري لهذه القصيدة والتركيز على العناصر البارزة فيها والتي تساهم بقدر كاف في تشكيل بنية هذه القصيدة وإعطائها خصوصيتها.
فالبنية الشكلية لهذه القصيدة تظهر خلال بنائها الخارجي حيث تراوح القصيدة بين الحر والعمودي، أي بين السردي-الملحمي وبين الغنائي- الحلمي. تتكون القصيدة من أربعة مقاطع سردية وثلاثة مقاطع غنائية وهذا التقطيع له دلالته على مستوى المعنى، إذ أن طغيان السردي / الملحمي على الغنائي/ الحلمي دليل على أن الواقع يضغط على الشاعر ويشده إلى أرضه في حين تحاول روحه الشاعرية بين الحين والآخر الإفلات من أسر الواقع.
ولكن قد يبدو هذا التأويل بسيطًا وسطحيًا، لنحاول الآن تلمس هذه الحقيقة على مستوى المعنى -فالقصيدة كما هو واضح كتبت في ظرف متوتر في فضاء من الرعب والذهول أمام فعل الموت الذي يتهدد الشاعر ويرسم أمامه أشباح الفناء والدمار- فالبصرة في الشهر الثالث من سنة ست وثمانين تشبه لوحة"الجرنيكا"كما رسمها"بيكاسو"في ثلاثينات هذا القرن، فهي ذلك المشهد المأساوي الذي يعبر عن وحشية الحرب وتضاريسها البشعة.
وهكذا يمكن أن نلاحظ أن الفضاء الخارجي قد انعكس على فضاء القصيدة وأخذ يشكل قسماتها ويرسم حدودها، وقد حاول الشاعر عن طريق حيل لغوية وشعرية أن يبعد القارئ/ الملتقي عن هذا التطابق بين الفضاءين وذلك منذ العنوان"كلام في الفقر والوطن"إذ أن ما سيأتي من القصيدة لا يحلل مظاهر الفقر أو يعللها أو يعطي بعض ملامحها وانعكاساتها، إلا في مواضع ضئيلة أو"يتغزل"بالوطن ويشيد بأمجاده؛ ولكن القصيدة تقترب من المرثية الذاتية وتعبر عن انكسار الذات أمام"الآخر".