فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 233

لعل هذه الملاحظة تؤكد مدى خضوع القصيدة للفضاء الواقعي أي المرجع الذي تحيل إليه -وهكذا يطغى المرجع/ الواقع على التشكيل الشعري ويجعله خادمًا له- ومن الدلائل اللغوية التي تحيل إلى طغيان المرجع/ الواقع بكل معطياته وتفاصيله هو تواتر فكرة الموت التي طبعت القصيدة بجوٍٍ مأساوي.

وتكاد هذه الفكرة- فكرة الموت أن تكون المعنى البؤري الذي يتحكم في إيقاع القصيدة وتوزيع معانيها على جسد القصيدة- وفكرة الموت هذه نجدها تتكرر إما بصيغة صريحة أو ببعض القرائن اللغوية والتراكيب التي تحيل إليها مثل: الموتى -جنازتي- الاندنار- قتلت- أدفن-أموت- الموتى- مات- تابوت.

هذا إلى جانب استعمال الشاعر بعض المفردات اللغوية التي تعبر عن الحالة التي يستشعرها الإنسان أمام الموت مثل الحزن والتي كررها الشاعر مرتين: حزين- وحزنًا- بالإضافة إلى حالة الذهول"أنا غابة صفصاف يحرقها الذهول"وهذه الصورة الشعرية غنية عن كل تعليق. والذي يؤكد هذه الفكرة- أي الحزن- هو استعمال الشاعر لفعل"يحرق"الذي يبالغ في التشديد على فعل الحرق بسبب الحزن.

في حين أن الوطن أو الفقر الذي وعد الشاعر بالحديث (كلام) عنهما في العنوان يظلان خارج فضاء القصيدة ولا نصادفهما إلا قليلًا، فكلمة الفقر نصادفها مرتين وكلمة الوطن ثلاث مرات فقط، وهذا دليل خضوع فضاء القصيدة للمرجع الذي تحيل إليه.

ويمكن أن نستدل على هذه الفكرة -مرة أخرى- بكون صوت الشاعر قد انسحق تمامًا أمام العالم الخارجي ولم يعد إلا بؤرة لالتقاط أصوات الآخر، والخضوع له ولم يتحرر منه إلا في نهاية المقطع الأخير، من خلال الملاحظات السالفة يبدأ المسار الثنائي للقصيدة يتحدد، فالقصيدة تتطور ضمن تصور ثنائي للأشياء والأحداث، وتحاول من حين لآخر الإفلات من هذا التصور وتجاوزه للولوج إلى الزمن المطلق، من الإبداع الحضاري والمتمثل في إبداع حدائق بابل الغنَّاء.

فإذا كان هذا التصور الثنائي يفترض صراعًا ومحاولة كل قطب جذب الآخر إليه أو القضاء عليه -فإن الحال هنا تقترب من حال الهيمنة والسيطرة للآخر على الأنا- حيث نلاحظ عبر كامل القصيدة أن"الآخر"هو الفاعل، وأن"الأنا"سلبي، يقول الشاعر:

"أتوسد الطرقات"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت