وفي ثنايا هذه العروض النظرية-على اختلاف مشاربها- كان الهاجس المركزي الذي يمثله نقد"الآخر"بأجهزته الفتاكة مقارنة وتمثيلا هو الذي يحركها ويقود خطواتها نحو هدف محدد مسبقًا. وهذه المحاولات كان يشوبها إما تخوف أو تحمس.
فالتخوف قاد إما إلى تلمس الطريق السليم وكشف إيجابيات المنهج وتكييفه مع النصوص العربية والنموذج الثقافي السائد بصفة عامة، أو الاكتفاء ببعض جوانبه ورفض الأخرى.
أما التحمس فإنه قاد إلى الاستلاب الثقافي وتكريس التبعية وتأكيد الهوة الحضارية الفاصلة بين عالمين ونموذجين ثقافيين مختلفين، وبالتالي النظر إلى النص العربي على أساس أنه إنتاج من درجة دنيا، أو في أحسن الحالات السقوط في التطبيق الآلي للمنهج وإهدار خصوصية النص العربي، وإلغاء كل مراجعه الثقافية والتاريخية. في الجانب التطبيقي بقيت الممارسات النقدية دون الطموح مع قلتها ويكاد العجز يكون تامًا، ورغم ذلك برزت إرادات نقدية حاولت تجاوز الانطباعات المتصلة بالمضمون، والتي تكرس المحتوى على حساب التشكيل اللغوي وإفراغ النصوص الأدبية من محتواها الجمالي، وتعتبر محاولات عبد السلام المسدي، عبد الملك مرتاض، محمد برادة، كمال أبو ديب، اعتدال عثمان، ويمنى العيد ومحمد الغذامي من المحاولات الجادة التي أصّلت أدوات المنهج من خلال ممارستها على النصوص الأدبية. وطموح هذا الكتاب هو طرح هذه الإشكالات طرحًا نظريًا وفلسفيًا دون السقوط في الانطباعية أو التسطيح، مع توضيح حدود المنهج وطريقة تحليل النصوص الشعرية، وهو من جهة أخرى محاولة لاستكشاف عالم الدلالة في الشعر العربي أو بناء النموذج البنيوي لها، كما أنه من جهة ثالثة قراءة نقدية لهذه النصوص- إبداعية كانت أم نقدية- وكشف لمستوياتها ومحاولة لإعطاء النقد التطبيقي بعده الحقيقي في حياتنا الثقافية.
حسين خمري
"جامعة قسنطينة"