فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 233

وخلافًا للمنطق.

فالجنازة هنا لا يمكن اعتبارها إلا استعارة عن فقدان السلطة على الذات والعجز عن التأثير في الآخر، كما أن استعمال جنازة مقترنة بياء الملكية تجعل من هذا الاسم استعارة فقط ولا غيرها. لأنه لا يمكن للميت الذي تجمدت حياته أن يتكلم عن جنازته أو عن موته.

الأسطر الشعرية التي تلي الفعل تفضح أساليب الإكراه التي تعرض لها الأنا، ويبين الشاعر أساليب الضغط والقمع التي يتعرض لها الإنسان العربي في ظل"رمل أحزاب العرب"ولهذا الغرض يستعمل الشاعر مطالب، مهيء، وقابل وتلتقي كلها في المستوى العميق للمعنى وهي الاستعداد لتقبل فعل الآخر-فصيغه"مطالب"أي مطلوب مني والطلب هنا بمثابة الأمر لأنه صادر من سلطة أعلى لا يمكن رفض طلبها وهكذا يتحول إلى أمر - ومطالب بالابتسام تعني القبول بكل المساومات والامتثال أمام العالم حتى تكتسب مطالب الآمر شرعية وتدخل في مسار الأمور العادية، أما"مهيء للانكسار"فإن هذه الصيغة هي دلالة على هشاشة الأنا وضعفه أمام الآخر، أما صيغة"قابل"أي يقبل الاندثار والتلاشي بسهولة وذلك لهشاشته وللضغوط الممارسة عليه وأنواع القمع المسلط عليه.

ولكي يعبر عن استسلامه للأمر الواقع، استعمل الشاعر"تناصًّا"INTERTEXTUALITe قرآنيًا"وليس يبقى غير ربك ذو الجلال"واستعماله المحرف هذا للآية الشريفة له دلالتان على الأقل: الأولى هي السخرية من جلاديه وتوعدهم وتحديهم؛ والثانية هي تقرير سلطة الله ذي الجلال والإكرام والتي لا تطالها أية سلطة بشرية مهما تمادت في طغيانها وتجبرت مثل فرعون -وهذا الشطر الشعري الذي يقف في مفترق الطرق بين الشعر والقرآن، أي أخذ من الشعر تعبيره ومن القرآن حكمته يعتبر خلاصة أو نتيجة للوضع الذي وجدت فيه الأنا.

إن الوضع الذي وجدت فيه الأنا، القهر من قبل الآخر والقهر والاضطهاد جعل الأنا تعيش في غربة ووحشة، غربة من التاريخ الاجتماعي وعدم مشاركته في البناء الاجتماعي بسبب تسلط قوى معيقة"وإني غربة أخرى". والعيش على هامش الراهن والاجتماعي جعل الأنا تعيش غربة مزدوجة، غربة خارجية بسبب عزلتها وتهميشها وغربة داخلية ناتجة عن فقدان التوازن الداخلي والاطمئنان النفسي حتى أصبح يشك في كل شيء وأصبح هاجس القهر يسكنه حتى النخاع"ما أوحش الطرق التي بدمي"وأصبح أقرب إليه من حبل الوريد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت