فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 233

لملم جراح الغاب ...: ... واشعل أغاريد البلابل

واكتب إلي السياب ...: ... فلربما تصل الرسائل

في هذا المقطع تمتزج الأسطورة بالغناء، وهذا شيء جعل من هذا المقطع بؤرة فنية راقية، فبالإضافة إلى التكثيف في التعبير والاقتصاد في اللغة استطاع الشاعر أن يفتح أمام المتلقي فضاءً شعريًا رحبًا، إذ ينتقل من الأسطورة إلى التاريخ ليصل إلى رموز الثقافة، وتربط بين هذه الأبعاد الثلاثة شبكة من العلاقات تتمثل في أسطورة"بابل"وعجائبها و"أوروك"وأبطالها وربط هذه الأساطير بالبعد التاريخي والحضاري لبلاد الرافدين ثم يجمع هذين القطبين برمز شعري هو"السياب"، الذي يجعل منه شاهدًا ثقافيًا وشعريًا على هذين القطبين، (وبذلك يدخل الشعر التاريخ في رمز السياب) إلى الزمن الكوني المطلق لأنه يربط الماضي بالراهن ويتجاوز الحاضر قصد تأسيس المستقبل واستعمل لهذا الغرض أسلوب التدوير، فهذا المقطع الغنائي يبدأ بصرخة متمثلة في حرق النداء"يا"وهي بالإضافة إلى وظيفتها الأصلية التنبيه فإنها تجري على عادة فحول الشعراء القدامى، وعوض أن يخاطب الشاعر صديقته مثلما فعل امرؤ القيس فيمعلقته (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) فإن الشاعر عياش يحياوي يستوقف نفسه باحثًا في أعماقه عن ذكريات بابل،- والمشابهة هنا بينه وبين معلقة امرئ القيس واضحة وتدعمها ثلاثة عناصر على الأقل:

1 -استعمال صيغة النداء: عند يحياوي"يا"وعند امرئ القيس صيغة الأمر المصاحبة بالنداء:

ثم 2 - إثارة الذكريات واسترجاعها ثم موضوع الذكرى وهو مكان دارس هذا هو المستوى الأول من القراءة الذي يظهر الموقف الطللي، أما المستوى الثاني من القراءة فإنه يظهر الأبعاد الأسطورية والتاريخية لهذا المقطع الغنائي.

ظاهريًا يبدو أن الشاعر يخاطب آخر (سائحا مثلا) ولكننا عن طريق فحص القرائن اللغوية نلاحظ أن الآخر الذي يخاطبه الشاعر هو صوته الذي يردد صداه هيكل بابل وهكذا يتوجه الشاعر إلى نفسه باستعمال أسلوب المخاطب.

فقوله"يا واقفا بالباب"فالباب الذي يقصده الشاعر هو باب الحضارات، وهو بوابة بابل نفسها التي وقف الشاعر أمامها مذهولًا أمام إنجازاتها الحضارية وأمام شموخها التاريخي وتواصلها عبر الحقب المختلفة، وهذا الواقف بباب الحضارات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت