هو الشاعر نفسه المسكون بالحزن والشعر منذ عهد بابل،- وهذا دليل على حزنه الأبدي واستعمال الشاعر لصيغة"متأبطا"أحدث خلخلة في البناء الصوري لأن تأويلها السطحي يذهب إلى عكس ما قلناه وهو أن حزنه جزء بسيط بحيث يستطيع أن يجمعه ويحمله تحت إبطه، في حين أن ما يقصده الشاعر هو ذلك الحزن الطاغي المسكون بالرؤى والأشعار.
وربما يكون الشيء الذي عمق هذا الإحساس بالحزن هو السلاسل التي ظل يجرجرها إلى كلّ مكان - وهنا تعود صورة القمع تطارده حتى في أحلامه وتأخذ حيزًا معتبرًا في قصيدته- ولكن الشاعر يتجاوز هذا العجز لأنه يقف على أبواب الحضارة ويطلق العنان لبلابله لكي تغرد وتصدح"وأشعل أغاريد البلابل".
وعندما تنطلق بلابل الشاعر في شدوها يتذكر الشاعر صديقه الشاعر العراقي بدر شاكر السياب ويكتب له رسالة يبثه فيها لواعجه ويصور له فيها معاناته وأحزانه، ولكنه ليس متأكدًا من أن السياب ستصله رسائل الشاعر لأن السياب قد مات أولًا، والتواصل الذي يقصده الشاعر عياش يحياوي تواصل شعري وثانيًا لأن عين الرقيب تصادر رسائل الشعراء وأحلامهم.
أما الذي جعل عياش يحياوي يتذكر السياب ويفكر في الكتابة إليه فذلك يرجع إلى سببين: السبب الأول هو أنه في بلاد الرافدين مسقط رأس بدر شاكر السياب والأماكن التي احتضنت أشعاره وبابل التي أعاد كتابة أساطيرها، السبب الثاني هو حالة التماثل بين الشاعرين واشتراكهما في الحزن فالسياب عاش متألمًا حزينًا يعاني من أمراض فتاكة أودت بحياته وهو في ريعان الشباب، والشاعر يحياوي يعاني من أحزانه وهمومه الشعرية والحياتية منذ طفولته، فكان الحزن هو القاسم المشترك بين الشاعرين بالإضافة إلى الشاعرية المتدفقة عندهما.
إن المرور من المقطع الغنائي الحلمي إلى المقطع السردي/ الملحمي لا يمر عن طريق أي مفصل لغوي أو شعري وهذا له دلالته العميقة المتمثلة في تفكك العلائق بين الأنا والآخر، ومن بداية المقطع يظهر الأنا سلبيًا وخاضعًا لضغوط الآخر.
متصعلك ..
وحنجرتي بيوت العنكبوت.
فالسطر الأول هو وصف لحال (وصف سلبي، ولكن ليس بالمعيار الأخلاقي) ولكنه سكوني عاجز عن الحركة، كما أنه سليب الصوت فحنجرته لم