تشتغل منذ زمن بعيد فهي لا تغني لأن الغناء هو شكل من أشكال الانتصار، كما أن حنجرته -أيضًا- لم ترفع صوتها احتجاجًا أو تمردًا وبذلك نسجت عليها العنكبوت خيوطها، وهذه الصورة معادلة للصمت الأبدي والاستسلام المطلق- ونلاحظ أن السطرين الشعريين خاليين من أي فعل أي حركة- وإذا كان الشاعر قد سلب حق الكلام، فإن الآخر يأخذ الكلمة ويبدأ في إلقاء خطب رنانة:
"قالوا نحن نخبكم هذا لا تقولوا ما يخالف"
نحن أدرى بالوطن""
فالآخر يستأثر بالقول من جهة، ومن جهة أخرى يقمع قول غيره ويطلب منه أن يردد نفس الخطاب الذي ألقاه"لا تقولوا ما يخالف"لأنه يرى أن ذلك من مصلحة الوطن، وهذه إشارة إلى الاستبداد بالرأي وإلغاء صوت الآخر تمامًا.
ولكن الذي سيأتي من المقطع يظهر تناقض القول مع الفعل لهذا الذي"أدرى بالوطن"ويصوره في شكل مصاص الدماء:-
"وغدا رأيت دمي يصدر للبنوك"
ولم أقل أني أموت
إن الذين يصدرون سيغضبون
إذا أنا مثلت""
إن الآخر لا يسلب الأنا الكلمة فقط بل يصدر دمه ويستغله إلى أقصى الحدود.
فهو يسلبه أيضًا حقه في العيش ومن عرقه ينفخ رصيده في البنوك الخارجية ورغم كل ذلك فهو"مطالب بالابتسام"ولا يتألم لأن ذلك يجعل منه مواطنًا لا يعمل بنصيحة"لا تقولوا ما يخالف"- وهكذا يعمل هذا المقطع على تعرية التناقضات وتفكيك الخطاب الذي لا يتماشى مع الفعل - ومن جهة أخرى يعمد الشاعر إلى فضح علاقة الدال بالمدلول وتنافرهما.
وبفعل هذا التناقض يدخل الشاعر إلى عالم المتناقضات ويجد نفسه مشدودا إلى قطبين ويرفع شعار"تحيا الخيانة والوطن"لأن الخيانة في نظر مصاصي الدماء خدمة الصالح الخاص بواسطة الوطن فإنه شعار يحمله هؤلاء الوسطاء للتمويه.
ونظرًا لأن الأنا قد مورست عليه ضغوط، ولأنه مواطن بسيط يبيع"في"