بالحق عند غيبة عن الخلق"ويقابله بالمصطلح المناقض الذي هو الغيبة التي يعرفها بقوله:"الغيبة غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق لشغل الحس بما ورد عليه" (2) ."
وهكذا نلاحظ أن تعريف الحضور مناقض للغياب، إذ أنه على مستوى الفكرة ظهور الأول يقتضي اختفاء الثاني وإلغاؤه. هذا الاحتكاك الأول هو احتكاك منطقي لأنه، دلاليًا، لا يمكن للشيء أن يحضر ويغيب في ذات الوقت (الثالث المرفوع) في نظرية العقل.
أما فيما يخص الظاهرة الشعرية، فإننا نلاحظ أن الشعر يقوم على كل منها وبقدر ما تكون جدلية الحضور والغياب قوية بقدر ما يكون النص الشعري قويًا ومعبرًا. وإذا أردنا أن نُنَزّل المصطلحين مدار الشعر فإننا نلاحظ أن الحضور يمثّل التشكيل والغياب يمثل الدّلالة. وعلى مدار هذه الثنائية يدور الكلام الشعري باعتباره احترامًا للقاعدة وخرقًا لها في نفس الوقت. فالتشكيل الشعري هو خرق لقاعدة اللغة، والقاعدة هي ذلك النمط المرجعي الذي يحترمه كل متداول للغة معينة حتى يضمن لكلامه سهولة التواصل وممارسة تأثير معين. وبقدر ما يكون التشكيل حاضرًا بقوة فإن القاعدة تمثل غيابًا."وعندما تصاغ هذه القضية اللغوية في إطار جمالي نقدي فإنه يترتب عليها التمييز بين نوعيين من العلاقات التي يمكن ملاحظتها في العمل الأدبي، علاقات تقوم بها العناصر الحاضرة وأخرى تقوم بينها وبين العناصر الغائبة" (3) . وقد نبّه سوسير Saussure في أكثر من مرة إلى هذه القضية واعتبر أن الدّال يمثل حضورًا (حضور مادي) وأن المدلول يمثل غيابًا (غياب مادي ولكنه حضور معنوي) .
وإلى هذه الفكرة أيضًا يذهب ميشال فوكوه في كتابه الشهير"أركبولوجيا المعرفة"، عندما يقول:"أريد أن أبيّن أن الخطابات كَمَا نَفْهَمُهَا في حياتنا الفكرية المعاصرة كما يمكن أن نقرأها في شكل نصوص ليس من السهولة بمكان اعتبارها مجرد تقاطع بين الأشياء والكلمات" (4) وهنا ينحو بالقضية منحى فلسفيًا، ويحيل إلى إتمامه للمشروع الفلسفي الذي ابتدأه في كتابه"الكلمات والأشياء". وفي هذا المنطق يحاول ميشال فوكوه تأسيس فلسفة للعلوم الإنسانية.
وقد أورد الباحث توفيق الزيدي في كتابه"مفهوم الأدبية في التراث النقدي"مفهوم العرب القدامى لجدلية الحضور والغياب في الشعر وهو فهم متميز لكنه في خطوطه العامة يلتقي مع الفهم الحديث لهذه الثنائية، يقول:"سئل عبد الصمد بن الفضل بن عيسى الرقاشي: لم تؤثر السجع على المنثور وتلزم نفسك القوافي"