وإقامة الوزن؟ قال: إن كلامي لو كنت لا آمل فيه لإسماع الشاهد لَقَلَّ خلافي عليك ولكني أريد الغائب والحاضر والراهن والعابر، فالحفظ إليه أسرع والآذان لسماعه أنشط وهو أحق بالتقييل وبقلة التلفت. فلم يحفظ من المنثور عشره ولا ضاع من الموزون عشره" (5) وهذا الفهم التراثي لقضية الحضور والغياب في الشعر يكاد يقترب من المفهوم العام للشعر الذي ينفرد بآلات شكلية ليس للنثر فيها حظ ومن هنا يسهل حفظه وتداوله ويحافظ بذلك على حضور دائم لأنه يحاول القبض على الراهن والحاضر، وإلى هذه الفكرة تقريبًا يذهب تدوروف مع تغيّرٍ في الحساسية الثقافية فعندما يقول:"هناك عناصر غائبة من النص، لكنها إلى حدٍّ كبير حاضرة في الذاكرة الجماعية لقرّاء فترة معينة، وهذا ما يمثل بطبيعة الحال علاقات الحضور in presentia وفي مقابل ذلك نجد بعض المقاطع من كتاب -بما فيه الكفاية من الطول- تكون على مسافة معتبرة من البعد عن بعضها البعض وتكون علاقتها غير مخالفة لعلاقة الغياب in absentia" (6) "
من هذه المفاهيم لعلاقات الحضور والغياب بدأ يتضح لنا أن هذين المصطلحين اللذين نزّلهما الفلاسفة مدار التأمل يبطنان قضية شغلت النقاد العرب القدامى وعلماء البلاغة وهي قضية اللفظ والمعنى التي تشكل العمود الفقري لتاريخ النقد العربي والإنساني وهي الثنائية الأبدية للشكل والمضمون، فتارة يأخذ هذا العلوّ وتارة يأخذ للآخر الصدارة.
وبعد أن عرض تودوروف الإشكالية في إطار فلسفي بحْت فإنه يحاول أن يجد تجليات هذه الظاهرة في العمل الأدبي بصفة عامة وهنا يتعرض لقضية المعنى والمبنى ولكنه مع ذلك يستعمل مصطلحي الحضور والغياب. يقول:"علاقات الغياب in absentia هي علاقات المعنى والترميز symbolisatio وعلاقات الحضور in presentia هي العلاقات الشكلية configuration"
أو البناء" (7) "
وهنا ننوه أن صلاح فضل قد أخذ التعريفين كما هما (هامش 6 و 7) بحرفية تامة عن تودوروف، ولكنه لم تكن له الشجاعة الكافية لأن يعلن عن المصدر الذي أخذ عنه رغم انه ثبت كتاب تودوروف Poetique في عريضة المصادر والمراجع. يقول صلاح فضل:"وتختلف هذه العلاقات (أي الحضور والغياب) في طبيعتها ووظيفتها معًا، مع الملاحظة أن هذا التقسيم- مثله في ذلك مثل أي تقسيم عام- لا يكون مطلقًا: إذ أن هناك عناصر غائبة من النص ولكنها شديدة الحضور في ذاكرة القراء الجماعية في فترة معينة إلى درجة أنه يمكن اعتبارها"