فكرية وقياس من أقيسة المنطق.
بين هذين الحدين نشأ الجدال الفلسفي حول نظرية الشعر، وحاول الفلاسفة إيجاد القوانين التي تنظم هذه الصناعة باعتبارها صناعة فكرية من الدرجة الأولى وقد صنف الفلاسفة الآتية المنطقية إلى ثمانية أقسام يحتل القياس الشعري وقد"جعل الكندي الشعر القسم الثامن والأخير من أقسام المنطق التي تبدأ بالمقولات فالعبارة فالقياس فالبرهان فالجدل فالخطابة فالشعر" (6) .
نلاحظ من هذا الترتيب الذي اعتمده كل الفلاسفة المسلمين كقاعدة عامة لتصنيف الصناعات المنطقية، يتدرج من القوة إلى الضعف، أي من أعلى مستويات العقل إلى أدناها.
يرجع هذا إلى اعتماد النظرة العقلية للأقيسة المنطقية التي ترى في القياس مجموع ضوابط تحكم قضية معينة، وهكذا تصبح أجزاء القياس هي مجموعة المراحل التي يتبعها المنطق للوصول إلى نتيجة حقيقية أو مفترضة. تبدأ هذه الخطوات بالمقدمة (أو المقدمات) لتصل إلى نتيجة.
فإذا كانت طبيعة النتيجة من طبيعة المقدمات نقول إن القياس صحيح وإذا حدث تعارض بين المقدمة والنتيجة كأن تكون المقدمة صحيحة والنتيجة فاسدة أو النتيجة صحيحة والمقدمة فاسدة، وهذه ألوان من الصناعات المنطقية تتموضع في المجال الفلسفي الذي يحدّه من اليمين المقولات ومن اليسار القياس الشعري وهكذا تتميز الأقيسة المنطقية عن بعضها البعض باتساق المقدمات مع النتائج أو تنافرها أو صحة واحدة وفساد الأخرى، وعلى هذا الأساس كان تقسيم الفلاسفة المسلمين للأقيسة المنطقية"فالبرهان يقدم المعرفة اليقينية عن طريق مقدمات صادقة وموثوق في صحتها، والجدل يقدم معرفة ظنية لأنه يعتمد على مقدمات مشهورة ذائعة، والسفسطة تقدم معرفة زائفة مموهة عن طريق مقدمات مموهة مغلطة، والخطابة يلتمس بها إقناع الإنسان بقصد إمالته للتصديق، أمّا الشعر فهو يقدم معرفة تخييلية باستخدام المثالات والمحاكيات ولهذا تصبح مقدماته من ذلك النوع الذي لا يدقق في صدقه أو كذبه" (7) .
وهكذا، حسب قوانين الفعل فإن المقدمات غير الموثوق فيها- والتي هي بالضرورة غير صادقة- فإنها لا يمكن أن تقدم معرفة يقينية ولذلك عدّ القياس الشعر في المرتبة الأخيرة من الأقيسة المنطقية.
وإذا عرضنا هذا القياس على القياسات الرياضية، وبالذات الرياضيات العصرية فإننا نلاحظ أن الشعر كإنتاج لا يخضع للقوانين الصارمة التي يفرضها