وتعريف الجرجاني يبرز مدى التداخل بين عدة قوى إدراكية كانت من اهتمامات الباحثين في النفس، مثل الحفظ (أو الحافظة) وهي خزّان المعلومات كما حدّدته الفلسفة الحديثة. والحسّ المشترك وهو الإدراك الحسيّ الذي يتمّ عن طريق الحواس الخمسة: اللّمس، الشم، السمع، الرؤية، الذوق. و"غيوبة المادة"ثم إرجاعها وهو ما يمكن أن يسمى باستدعاء الذكريات (ويختلط فيه العنصر الإرادي عند الاستعادة، مع الذاكرة باعتبارها نشاطًا لا واعيًا في أغلب الأحيان) .
وتداخل هذه القوى الإدراكية عند التعرض إلى طبيعة الخيال دليل على مشاركته في مجالات النفس الأخرى ولا غنى للإنسان عنه مهما كان وضعه وتعامله مع العالم.
ومن طبيعة الخيال أنه يتوسط بين الحسّ والعقل، أي بين الأشياء التي تدرك بدون عناء كبير وبين العمليات العقلية الكبرى، وهو بذلك يسعى إلى تقريب الطرفين ومحاولة الارتفاع بالمحسوسات إلى مستوى المعقولات.
من هذه الطبيعة نبدأ في تلمس الجانب الديناميكي في الخيال. لهذا الغرض يجب استعمال مفهوم آخر استعمله علم النفس القديم وهو المخيلة التي تعطي ديناميكية للخيال لأنها"هي القوة التي تتصرف في الصور المحسوسة والمعاني الجوئية المنتزعة منها وتصرفها فيها بالتركيب تارة والتفصيل تارة أخرى مثل إنسان ذي رأسين أو عديم الرأس".
وهذه الديناميكية للخيال تبدو في نشاطه المتمثل في تركيب الأجزاء المفصولة إن في الواقع أو في التصور، وهذا ما يسمى بالجانب الخلاق في الخيال أو فصل أجزاء الواقع أو الصورة ثم إعادة ترتيبها مرّة أخرى بحيث تبدو كأنها أجزاء جديدة. هذه الوظيفة هي وظيفة تشكيلية.
ولا يمكن أن تكون الوظيفة التشكيلية متكاملة الأطراف ما لم يكن الشاعر قد عاين الواقع الذي يتكلم عنه أو عايش التجربة. وأيضًا يستطيع أن يدرك العلاقات الموجودة بين الأجزاء والجمالية التي تكتسبها عند إعادة صياغة النسب وترتيب العلاقات."إن فاعلية (الخيال) مرتبطة باتساع الخبرة بالحياة المعاشة والقدرة على النفاذ إلى العلاقات الفاعلة في الأشياء والعلاقات التي تربط بين الأشياء ومثلما ترتبط بالقدرة على تمثل تجارب الآخرين في الماضي والحاضر" (33) .
فبالإضافة إلى الوظيفة التشكيلية للخيال المتمثلة في إعادة ترتيب العلاقات وفصل الموصول ووصل المفصول وذلك بالقبض على معنى من معاني الواقع وتقديمه شعريا، فإن هناك وظيفة أخرى للخيال وهي تحويل التجارب القديمة