تجارب جديدة. هذه الوظيفة تمثل جانبًا من جوانب الخلق الفني"إن القدرة التخيلية تمكن الشاعر من إعادة تشكيل تجاربه التي مرّ بها بشكل أو بآخر بحيث يخلق منها تجارب جديدة" (34) . هذه الوظيفة المزدوجة للخيال قريبة جدًّا من فكرة جابر عصفور وإلفت الرّوبي التي ترى أن الخيال هو النظر إلى جوهر الشعر من زاوية المبدع.
ويرى كمال أبو ديب أن الخيال يتعدى إعادة إنتاج التجارب القديمة أو تشكيلها تشكيلًا جديدًا إلى خلق صور جديدة يقول:"يعمل الخيال ليس فقط على إنتاج الصور التي تقع في مجال الإدراك المباشر أو التي لها حضور مباشر، ولكن نشاطه يبتدي خاصة في خلق الصور التي تعرفها الحواس والنفس على السواء" (35) .
وقد دار الجدل كثيرًا حول كيفية الخيال فمنهم من يرى أنها تشكيل ومنهم من يراها خلقا جديدًا ومنهم من يرى أنها إعادة إنتاج للتجارب القديمة، سواء كانت تجارب الشاعر أو تجارب الغير. ويحدّد باشلار كيفية التخيل بما يلي:"نرى الأشياء أوّلا ثم نتخيلها بعد ذلك، وعن طريق الخيال نركب نتف الواقع المدرك وذكريات الواقع المعاش" (36) .
ولكن إذا توقفت وظيفة الخيال عن مجرّد التذكر فإنه يتحول إلى"ذاكرة"أو خزان للتجارب السابقة والماضي المعاش، والخيال - حسب باشلار دائما- (37) ليس فقط القدرة على تشكيل صور الواقع، بل يجب أن يتعدى الواقع الموضوعي - معطى حضوري- إلى خلق واقع جديد وبعث الحياة من جديد. وفي هذا التجاوز يبتدي الجانب الإبداعي للخيال (الجانب الديناميكي) ، ويتميز عن عمل الذاكرة وعن التقديم الحسي البارد للتجارب الشعرية.
وقد تناول شاعران كبيران الخيال الشعري وحاولا التنظير له باعتباره ركيزة يقوم عليها العمل الشعري، وكل قصيدة تخلو من مسحة خيالية تتدخل إلى تسجيل العواطف أو وصف للحالات الشعورية التي تنتاب الشاعر. والنظريتان اللتان نتكلم عنهما انتجتا ضمن التيار الرومانسي، ويمثل الأولى عند العرب أبو القاسم الشابي في كتابه (الخيال الشعري عند العرب) (38) والثانية الشاعر الإنجليزي كولوربدج في كتابه الموسوم"سيرة ذاتية"Bibliographia Literaria". وتبدو بعض ملامح التشابه بين النظريتين."
وقد لاحظ أبو القاسم الشابي أن"الخيال ضروري للإنسان" (ص 18) وهذه أبسط معلومة يمكن أن يعرفها أي مثقف وكل شاعر، وهناك أيضًا الخيال العلمي