وهو لا يقل شأنًا وتعقيدًا عن الخيال الشعري والإبداعي. لأن عليه يقوم كل إبداع علمي أو فني. ولنتذكر حادثة أرخميدس"وجدتها، وجدتها"وما أوردته كتب الفلسفة من قصص حول هذا الموضوع معتمدة على تفسيرات اللاشعور. ويرى الشابي أن العربي كان يستعمل المجاز على أنه حقيقة (ص 19) وهذا أيضًا أكدّته الدراسات النيلولوجية والانثروبولوجية منذ بداية هذا القرن عند كل من"شليجل"و"سابير"اللذين بحثا في السلالات اللغوية ثم تعرضا بعد ذلك إلى الجذور الأسطورية للغة حيث يختلط السحر بالخيال والأسطورة بالواقع، حيث كان الإنسان القديم يرى في الأسطورة واقعا.
انطلاقًا من هاتين المقدمتين، الخيال متأصل في الإنسان ثم المجاز باعتباره حقيقة وواقعا يقسم الشابي الخيال إلى قسمين، القسم الأوّل وهو ما أسماه"الخيال الشعري"لأنه يضرب بجذوره إلى أبعد غور في صميم الشعور أمّا القسم الثاني فقد أسماه"الخيال الصناعي"لأنه ضرب من الصناعات اللفظية ويسميه أيضًا"الخيال المجازي"لأنه مجاز على كل حال (ص 26) .
من هذه التقسيمات تبدأ ملامح نظرية الخيال الشعري عند الشابي وهي في تقسيمها هذا تشبه نظرية كولوردج التي كتبت قبلها بكثير، ولا أشك أنه اطلع على نصها لسببين: أنه كان يجهل الإنكليزية، ولأن النص لم يترجم إلى العربية كاملًا لحدّ الآن (في حدود إطلاعي المتواضع) عدا بعض التحليلات والتلاخيص.
بعد عرضه الخطوط العريضة لنظرية الخيال يشن الشابي هجومًا حادًا على الأدب العربي ويقول:"إنه أدب مادي لا سموّ فيه ولا إلهام ولا تشوف إلى المستقبل ولا نظر إلى صميم الأشياء ولباب الحقائق، وأنه كلمة ساذجة لا تعبر عن معنى عميق بعيد القرار ولا تفصح عن فكر يتصل بأقصى ناحية من نواحي النفوس" (ص 103) . ويعلل انعدام الخيال في الشعر العربي بأنه سمة من سماته وليس ذلك بعيب يعاب عليه. وهذا يتنافى مع أبسط قواعد الفن، ويناقض فيه الشابي ما قاله في الصفحات الأولى من"مسامرته"هذه بأن الخيال ضروري للإنسان ويتجلى في كل عمل البشر وفي كل انتاجاتهم الإبداعية. ...
يلتمس الشابي العذر للأدب العربي بقوله:"ولا ينقص من الأدب العربي شيئًا أنه مادي لا شيء فيه من عمق الخيال وقوة التصور لأن هذا منشؤه الروح العربية التي أملت هذا الأدب وألقت عليه هذا اللون الخاص" (ص 107) وبعد هذا التلطف مع الأدب العربي يعود إلى الدّعوة إلى"العصيان الشعري"والتنكر للتراث الشعري"إنه ينبغي لنا إذا أردنا أن ننشئ أدبًا حقيقًا بالخلود والحياة أن لا نتبع"