فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 233

الهجاء ويحاول إعطاء بعض خصائص هذا الغرض الشعري (والغرض كمصطلح أدبي عربي يقابل المصطلح الأدبي اللاتيني الجنس) . يقول عن الشاعر الجاهلي"راح يفخر على أعدائه ويهجو خصومه مقلدًا (( البناء الفني للقصيدة التي أنشأها غريمه وبذلك تكونت نواة هذا الفن في العصر"

الجاهلي )) (9) .

ولكن هذا التعريف المتبع لتطور"فن"النقائض لا يفي بكل شروط النقائض، كما أن"البناء الفني للقصيدة"لا يفي بجميع شروط البحث العلمي، بل يقدّم التعريف كمسلمَّات ثابتة في ذهن القارئ، رغم ما فيها من غموض وضبابية. ومحاولتنا هذه تتكفل ببحث هذه"الأشياء"الغامضة في النقائض ومناقشة بعض الآراء القديمة-خاصة- التي تناولت النقائض.

ونظرًا للظروف الاجتماعية والسياسية التي عرفها المجتمع الإسلامي والثقافة العربية في العصر الأموي فقد نضج فن النقائض واكتمل. ويعود هذا الاكتمال إلى اشتراك عدد كبير من الشعراء، وساهمت شاعرية أكثر من شاعر بكل ما تحمله من خلفية ومن مكونات ورواسب شعرية (( وأشهر من ذلك وأعظم دويًا في عالم الأدب تلك التي تبُودِلَتْ بين جرير وخصومه وكانوا أكثر من أربعين شاعرًا وفي مقدمتهم الفرزدق والأخطل والبعيث ) ) (10) .

وأظن أن اهتمام هذا العدد الكبير من الشعراء بهذا"الفن"هو الذي جعله يصل إلى أعلى مراتب الاكتمال.

ولكن الملاحظ أن هؤلاء الشعراء قد سقطوا كلهم، وذلك إما لضعف شاعريتهم أو لقصر نفسهم الشعري أو لأسباب موضوعية أخرى. وبقي الشعراء الأربعة المشهورين: الفرزدق وجرير والأخطل والبعيث، وإن كان هذا الأخير قد عده ابن سلام طبقة ثانية في الشعراء الإسلاميين.

ونرى كيف انتصر جرير على زملائه الباقين حين يقول:

أعددت للشعراء سما ناقعا ... فسقيت آخرهم بكأس الأوّل

لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وضغا البعيث جدعت أنف الأخطل

ومن هذين البيتين نرى كيف بقيت شاعرية أربعة شعراء في صراع إلى أن سقط"البعيث"وهمش الأخطل- أو على الأقل انسحب من هذا الميدان- وبقي المدى مفتوحًا بين الفرزدق وجرير، فأبدعا فيه أيما إبداع ولكنهما أيضًا عملا على تعرية عورات قبيلتيهما ونقائضمها إلى درجة تدعو إلى القرف والأسف. ولطول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت