فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 233

تلازم الشاعرين (الفرزدق وجرير) تفرد كل واحد بخصائصه وموضوعاته وإن لم يخرج عن الإطار الذي حددته النقائض.

ونظرًا لما تحتويه النقائض من قيم فنية وتاريخية باعتبارها سجلًا للحياة الأموية على مدى أربعين سنة من الزمن وما يعبران عن تغير في الأوضاع والمواقف، فقد جمع أبو عبيدة معمّر بن المثنى التيمي نقائض جرير والفرزدق وقد حققها ونشرها انتوني أشلي بيفان A.A.SHLEY.BEVAN بريل- ليدن 1908 - 1909. وهي الطبعة التي اعتمدناها في إعداد هذا البحث.

ولعل الذي جعل الأخطل يتأخر عن زميليه هو أنه جاء متأخرًا بالنسبة لجرير والفرزدق. وقد اعتمد ابن سلام على رواية مفادها أن (( الأخطل إذا لم يجئ سابقًا فهو سكيت ... ولا سكيتا فهو بمنزلة المصلي وجرير يجيء سابقًا وسكيتا ومصليا ) ) (11) . وهذا يبين سبب عجزه أمام شاعرية جرير والفرزدق، لأنه لا يمكن أن يكون هو البادئ في كل النقائض لذلك كانت تأسره قصائد زميليه وتربط عقدة لسانه وتشلّ كل قواه الشعرية.

وهناك رواية أخرى تؤيد ما ذهبنا إليه في ملاحظتنا السابقة أوردها أيضًا ابن سلام وهي أنه (( لما بلغ الأخطل تهاجي جرير والفرزدق قال لابنه مالك انحدر إلى العراق حتى تسمع منهما وتأتيني بخبرهما فلقيهما فاستمع ثم أتى أباه فقال جرير يغرف من بحر والفرزدق ينحت من صخر فقال الأخطل فجرير أشعرهما. ) ) (12) وهذه الرواية هي الأخرى تؤكد مدى انبهار الأخطل أمام شاعرية جرير خاصة والفرزدق عامة. ولعلّ هذا هو الذي جعله يسقط بين أقدام الرّجلين.

أما عن سبب سقوط البعيث أمام جرير والفرزدق فيعود إلى انشغال الشاعرين ببعضهما دون سواهما كما يرى أحمد الشايب حيث يقول: (( كان البعيث قد سقط منذ التحام جرير والفرزدق كما قال الناس، فمعنى ذلك أن هذين الفحلين قد انصرفا عنه إلى ما بينهما ) ). (13) وحسب هذا الرأي الذي أورده أحمد الشايب فإن شاعرية البعيث لم ترق إلى مستوى شاعرية جرير والفرزدق لذلك انسحب من الميدان.

أما رأي ابن سلام في ذلك- وهو المصدر طبعًا- فيقول: (( كان البعيث شاعرًا فاخر الكلام، حرّ اللفظ وقد غلبه جرير وأخمله وكان قد قاوم جريرًا في قصائد ثم ضج إلى الفرزدق واستغاثه ) ). (14) وهذا يعني أن جريرًا هو الذي أرغمه على الانسحاب من الميدان لأنه أولًا ليس فحلًا يستطيع أن يساجله ويقارعه شعريًا والسبب الثاني هو تحالفه مع الفرزدق ضد جرير وربما لهذين السببين جعله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت