إن البدايات دائمًا صعبة، وكذا النهايات نراها دائمًا مؤرقة، وقد لاحظ العرب ذلك قديمًا عندما قالوا:"أصعب الأمور البدايات"، لأن البداية هي تحسس طريق معين حتى إذا أمسك القارئ بهذا الخيط بدأ يفكّ خيوط النسيج الخطابي والتعرف على تشكيلاته وخباياه وبالتالي إعطاء دلالة واضحة لبنياته وكيفية تراتبها وطريقة تعالقها. وهذا عكس البدايات المؤسساتية التي يصحبها صخب كبير وتحاط بهالة من التهويل لتبريرها لإعطائها شرعية.
المدوّنات المدرسية تبدأ بتجزئة النص إلى أفكار أساسية/ رئيسية وأخرى ثانوية، وهذه الطريقة التقليدية هي طريقة تعليمية القصد منها التأكيد على بعض الأفكار وإلغاء الأخرى دون أن تتحسّس مفاصل النّص الأدبي أو تأخذ بعين الاعتبار العلاقات الموجودة بين هذه الأفكار، كما أنها لا تبررّ أحكامها القيمية المعيارية لماذا كانت هذه الفكرة أساسية وتلك ثانوية. وقدْ بيّن الدرس الأدبي الحديث المبني على مقدمات منهجية أنه ليس هناك أفكار ثانوية، لأن الأفكار تتكامل لتؤسس بناء متكاملًا له دلالة جمالية وثقافية، فالقارئ هو الذي يطلق هذا الحكم المعياري على هذه الفكرة وينعتها بأساسية أو ثانوية في حين أن النص الأدبي يمدّ بينها أوشاجًا لا يمكن فصمها. كما أن الكاتب وهو يبني نصّه فإنه يعتبره وحدة لا تقبل التجزئة أو الانفصام.
ونجد أن المقاربات الخارجية هي التي شجعت هذا الاتجاه في التناول والتعامل مع النّصوص الأدبية لأنها تبحث في المراجع الخارجية/ السياق للنّص مثل المونوغرافيا أي حياة الكاتب وانتماؤه الفكري والعصر الذي عاش فيه وتجلياته الثقافية والاجتماعية والمستوى اللغوي الذي يتعامل معه والمحيط الاقتصادي الذي يتحرك فيه. وهذه المواد تصبح وسيلة يتوكل عليها المحلّل في تفسير الظاهرة الأدبية.
ولكننا إذا تمعنا في هذه المواد نجد أنها مشتركة بين عدد كبير من النصوص الأدبية التي أُنْتِجَتْ في حقبة زمنية معينة، ولكنها تظهر بنسب متفاوتة تَبعًا لخصوصية النص الأدبي وأسلوب الكاتب وطريقته في عرض موادّه الجمالية والمضمونية.
إن هذا النوع من المقاربة استمرت ممارسته طويلًا في الثقافة العربية الحديثة لظروف حضارية وثقافية معروفة عملت على إعلاء المضمون على حساب الرسالة الجمالية لتجعل من النص شاهدًا على فترة معينة واعتباره مجرّد وثيقة لتأكيد سياق معين أو نفيه. ولكن الدرس الحديث أثبت أن النص الأدبي ليس