رسالة فقط ولكنه فن، أي نسق من المواد التعبيرية والجمالية التي تساهم في توصيل الرسالة.
إن أول ردّ فعل على هذه الممارسات النقدية يتمثل في الإلتفات إلى اللغة باعتبارها مادة الأدب- كما تقول نظرية الأدب- ولكن المدخل اللغوي وحده غير كاف إذ استغرق في الإحصاء والجداول دون تبرير أو استغلال لتواتر نسق من الجمل أو نوع المفردات التي اكتفى المحللون اللغويون والأسلوبيون بالقول إن الأفعال تدلّ على الحركة وإن الأسماء تدلّ على السكون. وهذه مصادرة عامة لأنه على مستوى النص الأدبي نجد أن بعض الأفعال تدلّ على السكون وبعض الأسماء تدلّ على الحركة.
ومن العرب الأوائل الذين اهتموا بهذا الجانب في العصر الحديث لطفي عبد البديع في كتابه"التركيب اللغوي للأدب"الذي يعتبر كتابًا في فلسفة اللغة وعلم الجمال أكثر منه بحثًا في مناحي الأدب، ويعتبر بحقّ مقدمة لكتابه الذي أصدره بعد ذلك والذي يحمل عنوان"الشعر واللغة"، ويقدم لطفي عبد البديع في كتابه"التركيب اللغوي للأدب"طريقته في التعامل مع المدخل اللغوي للأدب من خلال البلاغة قائلًا:"لقد أتت نظرية اللغة عند البلاغيين من أمرين: أولهما الحدود التي أقامها النظر العقلي بين لحظات الكلمة الحية مما أفّضى إلى عقمها وتعطيلها وثانيهما التحليل المنطقي الذي لا يعتبر في الحكم على الشيء تصوّر المحكوم عليه وبه والحكم بحقائقها بل يُجْري الجمل والعبارات مجرى القضايا المحضة التي لا مرجع لها في باب المعرفة إلاّ الحدود والتعريفات" (ص 37) .
وهذا ما يلاحظ على الدراسات اللغوية التي تهتمّ بالجداول والإحصاء وتهمل جانب الدلالة وكأن العمل الأدبي ركام من الألفاظ والجمل المفتتة. وهذا ما جعل لطفي عبد البديع يقول:"فالنقد الحديث وتلك سمته الأصيلة، قد استحال إلى نقد للأسلوب وصار فرعًا من فروع علم الأسلوب" (ص 93) وبالتالي تمّ القضاء على جمالية النّص الأدبي ورسالته باسم العلم وصار النص وسيلة العلم لا غايته لأنه أصبح ميدانًا للتطبيقات العلمية ومجالًا لإبراز المعرفة الأسلوبية وتجريب المصطلحات التقنية.
ولكننا لا نعدم وجود بعض الأسلوبيين الذين أمدّوا التحليل الأدبي بمجموعة من الأدوات العلمية التي ساعدت على إجلاء مواطن الجمال في النص الأدبي وبحث دلالاتها وخير من مثل هذا الجهد الكبير هو"ليوسبيتزر"Leo Spitzer الذي"وطأ سبيل الأسلوبية بما رماه من بحث الخصائص الأسلوبية للعمل الأدبي"