فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 233

المعتز"البديع" [1] .

فالنثر اقتصرَ دوره على بعض الخطب في الجاهلية ثم القرآن الكريم والحديث الشريف وقد تعامَلَ معها النقاد تعاملًا خاصًا ودرست في دائرة علوم القرآن ومصطلح / الحديث ونظرية الإعجاز إلى غير ذلك من القضايا المتصلة بظروف انتشار الدين الإسلامي الحنيف. والتركيز عليها بصفتها تحمل رسالة ربانية سماوية غايتها نشر الوعي وبثّ روح التسامح.

على مستوى إنتاج النثر نجد أن نفس الإشكالات تدخل في هذا المجال، إذ كان منحصرًا في الإدارة والدواوين والترجمة. وقد اهتمَّ به العلماء خاصة- علماء الطبيعيات وعلماء الأدب- وأبرز ممثلي هذا الاتجاه هو أبو عمرو الجاحظ الذي بلغ في كتابه البيان والتبيين أعلى درجات البلاغة مزاحمًا بذلك الإنتاج الشعري وأبو حيان التوحيدي الذي حمل لواء النثر عاليًا.

إن هذين العالمين أحدثا خلخلة في الحساسية الثقافية العربية ومن هنا تطوّر الجدال حول كيفية اللفظ والمعنى الذي يعتبر بحق بادرة وعي ونقطة إضاءة في الفكر النقدي، وعن طريق هذا الوعي بدأ النثر تدريجيًا يكتسب شرعيته في المنظومة الثقافية والأدبية، وبعد إن كانت المباريات الشعرية هي السائدة ابتداء من المربد وعكاظ احتلَّت المباريات النثرية مكانتها في الحياة الفكرية العربية يضطلع بها علماء أدركوا وظيفة الكلمة الأدبية دون فرض وسائط شعرية عليها.

لكن ما بقي غائبًا عن الساحة الأدبية هو النظرية الأدبية التي تعنى بإنتاج النثر. ومن ثمَّ ردّ الاعتبار له على أساس أن له وظيفة جمالية نوعية تختلف عن وظيفة الشعر ولكنها تشترك معها في الطبيعة بحكم القاسم المشترك الذي يجمعهما وهو، التوظيف الواعي لأبعاد الكلمة الفنية واستغلال ظلالها الخفية، ومن هنا كان التعارض لدى النقاد القدماء خاصة بين الكلمة الشعرية في العمود الشعري، غياب الآلات الشكلية (أي موسيقى، قافية ... ) في النثر.

لكن الذي يحاوله النقد الحديث هو دراسة جدلية الحضور والغياب واعتبار الظاهرة الشعرية هي ذلك الكائن الذي يختصر المواقف والمشاعر في كلمات قليلة والتعامل معها بصفتها كائنًا مستقلًا.

(1) اج- كراتشكوفسكي: علم البديع والبلاغة عند العرب: ص ص 96 - 97 - ت/ محمد الحجيري- دار الكلمة للنشر/ بيروت ط 2/ 1983.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت