فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 233

القصيدة -وهذا دورها الحقيقي- هي إعادة تشكيل لهذه العناصر وتجاوز لها قصد خلق عالمها المتمايز.

وخضوع الناقد للذاكرة الشعرية يجعله بعيدًا، عن عالم القصيدة إذ لا يرى فيها إلاَّ ما هو أليف ومعاد ولا يستطيع وضع حدودها الأصلية، إن ما يربط القصيدة بالذاكرة الشعرية هو في الواقع الإدراك الشعري لمظاهر الحياة والتعبير عن الحساسية المشتركة. يجب أيضًا أن تأخذ القصيدة الشعرية المعطيات الحضارية الجديدة ولا تبقى معزولة عن الظروف الحضارية التي أفرزتها.

إن دَمْج القصيدة في الذاكرة الشعرية واعتبارها تنويعًا جديدًا في السلسلة الشعرية العربية أو النظر إليها من خلال نموذج ثقافي معيّن يقضي على وجودها ككيان مستقل، الطرف المناقض لهذا الموقف هو النظر إلى القصيدة باعتبارها كائنًا منعزلًا عن الكائنات الشعرية الأخرى.

هذه النظرية من إنتاج النقاد الذين يطبقون النقد اللغوي المغلق على الشعر ويرى أصحابها أن القصيدة عالم منغلق على ذاته لا يجوز البحث عمَّا هو خارج عنه، لأن ذلك يضطرنا إلى البحث في الواقع الاجتماعي والثقافي والتاريخي ويحوّل نظرنا عن الكائن الشعري.

هذه النظرية النقدية تشبه إلى حد ما نظرية"الفن للفن"في مجال الإبداع، وقد تطوّرت هذه النظرية خاصة عند المدافعين المشاكسين عن البنيوية مع بداياتها الأولى، والتي لا ترى في الشعر إلاّ كيانًا شكليًا وبناءً لغويًا فحسب، فهي تبحث في أنساق القصيدة وتراكيبها وتحصي عدد أفعالها وأسمائها وتحاول تحليل التراكيب المغيرة للنسق اللغوي باعتبارها ميزة الشعر، ولا تنظر إلى اللغة الشعرية إلاَّ باعتبارها عدولًا [1] أو انزياحًا عن النسق اللغوي المألوف.

ولكن بمرور الزمن واجتياح المعارف لحقول الأدب [2] وجدت النظرية البنيوية الأولى نفسها معزولة عن السياق الثقافي والاجتماعي وقوبلت بنوع من الاحتقار، ممَّا اضطرّها إلى التعديل في بعض مواقفها فأخذت تفسِّر البنيان اللغوي تفسيرًا نفسيًا (مدرسة جاك لاكان) ، أو تفسيرًا اجتماعيًا (مدرسة لوسيان غولدمان) ، وظهرت في هذا المجال المدرسة الأنثروبولوجية (كلود، ليفي ستراوس) والتحويلية، إلى غير ذلك من التيارات.

(1) العدول: Ecart.

(2) ميشال فوكوه: اركيولوجيا المعرفة (بالفرنسية) ، غاليمار- باريس 1969.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت