ولكن الملاحظ على هذه النظرة المغلقة للأدب أنها أسقطت من حسابها جدلية الظاهر والخفي، واعتبار القصيدة عبارة عن تجليات لغوية كما أنها لم تهتم بدراسة جدلية الداخل والخارج وذلك برؤية القصيدة رؤية داخلية ومن ثمّ النظر إليها على أساس أنّها انعكاس شعري لواقع معين ولمستوى ثقافي محدد.
ومن هنا تكون النظرية الأقرب إلى الصواب هي اعتبار القصيدة كائنًا يتمتع بخصوصيته ولكن لا تغفل الخلفية الثقافية والاجتماعية والتاريخية التي تصدر عنها القصيدة، شكلها، مضامينها، نظرتها إلى العالم، موقفها من الواقع.
إذا تساءلنا عن موقفنا أمام قصيدة فإننا نطرح بالضرورة السؤال الآتي: ما هي الأحاسيس التي تستثيرها فينا قصيدة معينة؟.
إن مفتاح الإجابة عن هذا التساؤل هو بوابة الولوج إلى فضاء القصيدة. ودون حدوث هذه العلاقة التي تشبه إلى حد ما عملية التعرّف على عالم القصيدة، فإن العملية النقدية تتحوّل إلى تجريد أو إلى تطبيق على قصيدة وهمية تعيش في ذهن الناقد أكثر منها متحققة بالفعل الشعري.
إن السؤال الذي نطرحه هو لماذا أختارُ هذه القصيدة بالذات دون غيرها من قصائد الديوان، قصائد الشاعر، قصائد الشعر الحر إلى غير ذلك من التقسيمات والأسماء.
الإجابة عن هذه التساؤلات تقتضي بالضرورة البحث في علاقة الناقد بالشعر: هل يحب الشعر للمضامين الشعرية والفنية أم هل يعتبره وثيقة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية؟ هل هدفه تسجيل القفزات النوعية أم تتبع خيط تطورّي معين؟ إن علاقة الناقد بالشعر علاقة وجدانية تشبه إلى حدٍّ بعيد علاقة الشاعر بالواقع التي هي الأخرى علاقة وجدانية.
فالناقد لا ينجح في عمله إلاّ إذا أحبَّ العمل الأدبي في حدّ ذاته، وإلاّ تحوّل العمل لديه إلى أيّة مهارة يدوية أو فكرية لكنها ليست بالنقد، وقد أكّدت التجارب أن الأعمال النقدية الناجحة هي الأعمال التي عايشها الناقد ومرَّت بنفس المراحل النفسية التي مرّت بها عند إبداعها من قبل الشاعر أو الكاتب، لأنها تكون أقرب إلى وجدان الناقد كما هي قريبة إلى عقله ومنطقه.
وعلاقة الناقد بالشعر هي علاقة معايشة، وهذه المعايشة هي القراءة الواعية لجميع سياقات القصيدة وخاصة السياق النفسي والسياق الاجتماعي وتميل التجربة كما حدث لدى المبدع الأوّل. من هنا يمكن اعتبار الناقد مبدعًا ثانيًا، ولقد أكدت