ولكن هذه التغيرات الطفيفة لا تلغي شرعية حضور البلاغة- كجهاز مفهومي- في حياتنا النقدية المعاصرة.
ولحد الساعة يمكننا استغلال بعض القضايا النقدية والبلاغية لتحليل القصيدة الحديثة كنظرية النظم التي عمقها، ووضع أسسها المتينة الإمام عبد القاهر الجرجاني وقضية التخيل وقضية الإنشاء، والنحو إلى غير ذلك من القضايا البلاغية التي لم يفقدها الزمن خصوبتها بل دعمتها الشواهد والأدلة الأدبية.
تتدخّل قضية أخرى عند نقدنا لقصيدة معينة هي علاقة الغرابة والألفة بين الشعر وبين الناقد، كيف يتصرّف الناقد أمام قصيدة يقرأها لأول مرة وكيف يتصرّف مع قصيدة قرأها مرة أو أكثر من قبل؟
إنَّ الإجابة عن هذا السؤال تبدو في غاية الصعوبة وفي نفس الوقت ليست لها قيمة كبرى، لكن في النقد يجب أن نولي هذه القضايا عناية كبيرة لأن علاقة الإلفة والغرابة تحدّد موقفنا من القصيدة، فإذا كان الناقد قد قرأ القصيدة فإنه يتكون لديه ما يشبه الصورة العامة عن أجزاء القصيدة، وأن الشاعر حاول الولوج إلى خصائصها وتعرّف على بعض مكوناتها، وبصورة مختصرة فإنها أثارت لديه عددًا من الأحاسيس والمشاعر وولدت لديه رغبة في هذا المجال هي نوع التفرّس في تقاسيمها في محاولة لإجلاء معانيها الخفية.
أما إذا كانت القصيدة مجهولة لدى الناقد، أي أنه لم يسبق له التعرّف عليها من قبل فإن تصرفه إزاءها يكون مغايرًا تمامًا للأول، لأنه يحتاج إلى العودة إلى ما في القصيدة وذلك نقدًا للبحث في الشجرة العائلية لها أي تصنيفها حسب التيار ثم حسب شكلها ولغتها ومضمونها، ويمكن أن نُلاحظ أن الإقبال على قصيدة نجهلها من قبل نوع من المغامرة كما أنه يثير فينا حب الفضول والإثارة مثلما يحدث لزائر غريب يتجوّل في مدينة لأول مرة، وإذا طبّقنا هذا المثل على القصيدة فإننا يمكن أن نتصور كيف يتجول إنسان في مدينة يعرفها أو يعرفها تمامًا وفي مدينة يزورها لأول مرة.
لكن الناقد عبد الفتاح كليطو يرى في علاقة الألفة والغرابة رأيًا مخالفًا، إذ يقصر هذه العلاقة على الاستعارة [1] ، هل هي معروفة لدى القارئ ومطروحة من قبل الشعراء مثل استعارة الشمس والبحر في الشعر العربي والأسد في الهندي
(1) عبد الفتاح كليطو: الأدب والغرابة، ص ص 60 - 61، دار الطليعة. 1982.