فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 233

بوعي على العمل الأدبي، وما دمنا نؤمن إيمانًا قاطعًا بأن النص الأدبي هو المحرّك (بكسر الراء) للمنهج النقدي فإننا نقول إن النص الأدبي يجب أن ينتمي إلى نمط ثقافي معيّن وذلك لكي يسهل عليه التعامل مع هذا المنهج.

وما نقول عن المناهج المستحدثة التي خلقت لغير النص الأدبي العربي الحديث فإننا نكاد نقول نفس الشيء بالنسبة للتطبيق المتعسّف لمفاهيم البلاغة والنقد القديمين على القصيدة الحديثة، ذلك أن هذا الجهاز هو بدوره قد أخذ الشرعية الأدبية انطلاقًا من نصوص قديمة تختلف في بنائها وتكوينها ومضامينها-قطعًا- عن النصوص الحديثة.

وفي غياب منهج نقدي عربي معاصر استنبط من النصوص الحديثة وخصائصها فإننا نلجأ إلى نوع من التلفيق أو تلطيف الجوّ بين حزبيّ النقد. إذ نعتمد التقطيع الشكلي للقصيدة باعتبار أن الشعر يتّفق في بعض الخصائص الشكلية عند كل الشعوب، وقد قام بهذه المحاولة الجريئة لأول مرة في التاريخ النقدي العربي فيلسوفان عربيان هما ابن رشد وابن سينا عندما تكلَّما عن الشكليّات أو الخصائص المشتركة في الشعر عند الشعراء اليونانيين والشعراء العرب انطلاقًا من ترجمتهما وتلاخيصهما لكتاب"فن الشعر"لليوناني أرسطو [1] .

وهذا التقطيع يكاد يكون عامًا ومشتركًا وذلك لاشتراك القصيدة الشعرية في هيكل بنيوي يكاد يكون متكررًا في كل القصائد، يمكن معاينة هذا الهيكل بإمعان النظر الداخلي للشعر دون التركيز على المضامين والرسائل التي تبلغ من خلال هذه الأشعار.

ولكن عند احتكامنا إلى الذوق أو دلالات الكلمة وظلالها الشعرية يجب أن نعود إلى البلاغة العربية لأنها أقدر على الكشف عن مواطن الجمال والفن في الشعر العربي، ولا يجب أن نرميها بالعقم بدعوى أن النص القديم قد تجاوزه الشعر الحديث وأن الإنسان العربي قد تطوَّر بتطوّر المحيط الحضاري الذي يعيش فيه.

يجب أن نقول إن البلاغة مازالت قادرة على العطاء مادام الشاعر العربي يتكلّم العربية ويكتب الشعر بالعربية، فالكلمات والتراكيب التي أجريت عليها عمليات البلاغة مازالت هي نفسها، الاختلاف- أو التطور في بعض أشكال التجوز المستحدثة وبعض الصور المعبّرة عن مستجدات الواقع، وبعض الخلخلة في النسق الموسيقي وفي هيكل القصيدة.

(1) أرسطو: كتاب"فن الشعر"مع الترجمات العربية القديمة- تحقيق ونشر عبد الرَّحمن بدوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت