وعند الأخذ بعين الاعتبار هذه العناصر يجب أن نفرق بين صوتين يتجاوران داخل الصوت الأول وهو للشاعر، باعتباره الهيئة المنظمة لعالم القصيدة، والصوت الثاني وهو صوت الراوي الذي يسرد الأحداث، والعلاقة التي تربط الهيئتين هي علاقة وظيفية، فنحن نتكلم عن الشاعر عند الحديث عن فضاء القصيدة ككل يعبر عن تجربة فنية وموقف من العالم، وعن الراوي عندما نتحدث عن توالي هذه الأحداث وتواليها ضمن نظام معيّن يوحي بأن هناك قصة تروى.
فالشاعر في قصيدته يتكلّم عن ذاته، ويعرّف بها في مرحلة أولى وفي مرحلة ثانية تتحوّل هذه الذات القائلة إلى موضوع قول (خاصة فيما يسمى بالشعر الغنائي) ، وهكذا يتجدّد مصطلح الشعر و القصيدة في العملية النقدية كمصطلحين متباينين، فيصير الشعر هو ذلك الصوت الجماعي المعبّر عن تجربة من تجارب الأمم والحضارات (الشعر ديوان العرب) ، وتتّخذ الذاكرة الشعرية في عملية الإبداع مظهرًا ديناميكيًا، في حين تصبح القصيدة كمظهر إبداعي تتقاطع في نقاط عدّة مع الشعر وتختلف عنه في الرؤية وفي الأداء.
وهكذا عند التعرَّض لنوع هذه الدراسة يجب تحديد أهم لحظات الحدث في القصيدة الشعرية، إذ أن التنظيم القصصي هو تعبير عن تطوّر حالة معينة أو تطور حدث محدد عبر مسار قصصي يحدده الشاعر مسبقًا، والله أعلم.