محكم وتبين لنا وعي مفدي زكرياء بالعمل الذي أنجزه وصلته بالملحمة أكثر من أي جنس شعري آخر.
ولكي ندلل على فرضيتنا هذه لا يجب أن نقرأ"الإلياذة"بمعزل عن نتاج مفدي الشعري الآخر، وخاصة"اللهب المقدس"، فـ"اللّهب المقدس"كتبت كل قصائده (باستثناء ثلاثة أو أربع) ، كلها في قعر الزنزانة ويعبر عن مآسي الثورة التحريرية وردود الفعل الجزائرية الشعبية منها والعسكرية والسياسية ـ وهي بهذا المفهوم ـ أي قصائد"اللهب المقدّس"محدودة في الزمان وتعبر عن حدث واحد هو الفعل الثوري.
وبذلك تقابل مفهوم التراجيديا كما حدده أرسطو، في حين أن"إلياذة الجزائر"ترصد مجموعة من الأحداث، وتمتد إلى مساحة زمنية أوسع تبدأ من فجر التاريخ إلى يومنا هذا، وتضيء اللحظات الحاسمة في حياة الأمة الجزائرية وهي بهذا المفهوم تعتبر ملحمة، وهكذا يمكن أن نقول إن"إلياذة الجزائر"تحتوي"اللهب المقدس"وتتجاوزه ولا تجعل منه إلا شكلًا من أشكال التحولات وحلقة في سلسلة التحولات التي قادت إلى التحرر عن طريق فعل شخص أو مجموعة من الأشخاص.
ومن الحجج القاصرة التي قدمت أيضًا على عدم مطابقة"إلياذة الجزائر"لمقاييس الملحمة عند أرسطو هي عدم احترام"مفدي زكرياء"للأحداث الثلاث (وحدة العمل ووحدة الزمان ووحدة المكان) ، ولعل هذا بالذات هو الذي يجعل"الإلياذة"تتمتع بخصوصيتها واستقلاليتها، ذلك أن"الإلياذة"لم تبدأ من حيث كان يجب أن تبدأ، أي التاريخ القديم ولكن من أهم فعل أحدث التحول والتمحور وهو ثورة التحرير المسلحة حيث وضع الشاعرُ"علي لابوانت"مقابل الجنرال"بيجار" (ص 27 ـ ط ـ المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر ـ 1987) ، وتقابل الرجلين، أي الحضارتين والثقافتين يفضي إلى إلغاء واحد منهما ـ الجنرال بيجار ـ وسيادة نموذج حضاري على آخر.
وإلغاء النموذج الآخر له دلالته أي التحرر، والتحرر في أحد مفاهيمه القدرة على التعبير والتواصل وبالتالي البدء بكتابة التاريخ والاعتزاز بالانتماء إليه، واستعادة الحرية هي بشكل آخر استعادة الصوت كلغة وثقافة- وبهذا تختلف"الياذة الجزائر"من حيث عرض الأحداث- والرؤية الداخلية للإلياذة تفصح عن علاقة هذا العمل الشعري بالملحمة- من الناحية الشكلية والبنيوية على الأقل- في أكثر من موضع ومحافظة الشاعر على خصوصية بناء الملحمة وذلك بوعي