خلال قراءته الشعرية لتاريخ الجزائر.
وقد كرس مفدي زكرياء بعض عناصر الملحمة في"إلياذة الجزائر"وتنتمي إلى نفس الحقل الدلالي لمصطلح إلياذة، وتشكل هذه العناصر إما بعض عناصر الملحمة كالأسطورة أو الحكاية أو الخرافة وتتقاطع في وظيفتها مع المفهوم العام للملحمة.
ويرى الشاعر أن العمل البطولي الذي قامت به مدينة"قالمة"في أحداث ماي 1945 يشبه الأجواء الأسطورية- ومفهوم الأسطورة هنا يأخذ تفسيرًا جديدًا، لأن كل الأدوات التعبيرية والشعرية تجد نفسها عاجزة أمام هول ما حدث- هذه الأسطورة تعتبر امتدادًا لأسطورة تواترت عبر الأجيال معبرة عن الذهنية الخرافية وامتداد الأساطير في"قالمة"عبر الزمان- هذه الأسطورة التي مفادها أن أختًا عقد زواجها لأخيها في حمام المسخوطين فمسخهم الله أحجارًا على شكل آدميين- وهكذا تتعانق الأسطورتان على صدر منطقة"قالمة"، الأسطورة الخرافية والأسطورة التاريخية وكان الخيال هو المحرك الأساسي لصنع هذه الأسطورة:
وقالمة تزهو بحمامها ... يهدهد معسول أحلامها
ويرجف بركانها ساخطًا ... فيمسح صناع آثامها
فيا لك أسطورة على نزل نسير على هدي إلهامها
ويا لخيال، أجل الخيال، وأحيا نفوسًا بأوهامها
وهنا تختزن الأسطورة سياقين تاريخيين، سياق خرافي وسياق واقعي، وتداخل هذين السياقين يجعل من المنطقة رمزًا مشحونًا بدلالات تراثية وحضارية، وما رفض المنطقة للاستعمار إلا رفض للمسخ والتشويه للطبيعة البشرية، كما رفضت الأسطورة من قبل ارتكاب المحرمات والزنا بالمحارم لأنها تجافي الطبيعة البشرية وتقرب مرتكبيها من فصيلة الحيوان.
وتشكل أسطورة مدينة"قالمة"جزءًا من أسطورة أكبر هي أسطورة الجزائر عبر مسارها التاريخي، فسلسلة الحروب التي خاضتها وأشكال الاستعمار التي عرفتها لم تزدها إلا صلابة فكرست بذلك طابعها الأسطوري، لأن الأسطورة هي التي يبقى جوهرها ثابتًا رغم التحولات التي تجري عليها بانتقالها من ثقافة إلى أخرى أو من حضارة إلى حضارة أخرى، يؤكد ذلك مفدي بقوله:
وأسطورة رددتها القرون ... فهاجت بأعماقها الذكريات