فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 233

أجل الإبداع، إبداع الكلام والشعر/ الإلياذة وإبداع التاريخ، وفي مسيرة البشرية يبقى الإبداع الذي كتب بالدم أو الذي أدى إليه محطات مضيئة.

ورفض مفدي لمقاييس الإلياذة بمفهومها القديم يعود أيضًا إلى مصادر"إلياذة الجزائر"التي رغم خصوصيتها فإنها تنتمي إلى نموذج ثقافي وحضاري، هو النموذج العربي الإسلامي الذي يختلف في وسائله ودلالاته عن النموذج الإغريقي والفارسي، لأن الأول يدين بالوثنية والثاني بالمانويّة، ويعتبر المتنبي أحد مصادر مفدي زكرياء الذي يقول:

تنبأت فيها بإلياذتي ... فآمن بي وبها المتنبي

لأن المتنبي يعتبر بحق شاعر العروبة الذي استطاع أن يقف في وجه المد الشعوبي وأن يبدع خلال ديوانه ملحمة العرب، واعتراف المتنبي بإلياذة الجزائر دليل انتماء حضاري وثقافي وهو أيضًا رمز من رموز الفحولة الشعرية (أنام ملء جفوني عن شواردها .. ) ولم ينس الشاعر الحديث عن الحيوان"إلياذة"وذلك للدور الذي لعبه كأدة نقل الأشخاص والسلاح وكوسيلة لمراوغة الاستعمار.

وهو تعبير عن استعمال الجزائري لكل الوسائل للقضاء على العدو، وإذا كان الحيوان في الآداب الرمزية (كليلة ودمنة لعبد الله بن المقفع وتداعي الحيوان على الإنسان لإخوان الصفاء) يلعب دور الوسيط التعبيري ويمكن استبداله بالإنسان لأنه يقوم بنفس الوظائف، في حين أن الحيوان في"إلياذة الجزائر"يقوم بدور لا يستطيع أن يقوم به الإنسان ودوره هنا يشبه دور"الشخوص المساعدة"كما حدد وظيفتها"فلاديمير بروب"وذلك لإزالة المعيقات والتمهيد لانتصار البطل.

إذا الشعر خلد أشد الرهان ... أنسى مغامرة الحيوان

بذكراك تعتز إلياذتي ... فأزكى التحيات: يا حيوان!

فالدور الذي لعبه الحيوان أهلّه لأن يخلد في"إلياذة الجزائر"وفي تاريخ الحروب البشرية كم من حيوان قُلّد أعلى الأوسمة لجليل الأعمال"العسكرية"التي قدّم، وفي هذا المقطع يؤكد مرة أخرى مفدي زكرياء وعيه بالجنس الشعري الذي يكتب فيه، فهي ملحمة لكنها تختلف عن الملاحم السابقة، لأنها تستند إلى التاريخ وإلى الواقع، هذه بعض السياقات التي ورد فيها مفهوم"الإلياذة"معبرًا عن وعي الشاعر ومعبرًا عن اطلاعه على الملاحم القديمة التي عرفتها الآداب البشرية، وملحًا في نفس الوقت على المشروع الشعري والتاريخي الذي يعمل عليه من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت