البطل.
ومن الدلائل التي تشير إلى الوعي الذي كان يتمتع به مفدي زكرياء أثناء عمله على مشروع كتابة ملحمة جزائرية هي استعماله لكلمة"إلياذة"أو إحدى قرائنها أو عناصرها المكونة لها أكثر من عشرين مرة في سياقات تنم عن وعيه بالجنس الذي يكتب فيه واطلاعه على التراث الإنساني الذي كتب في هذا السياق يقول مفدي:
وقالوا انحرفت بإلياذة ... تلوم الشباب، ومثلك يعلو
"هوميروس"أرخ .. لم ينتقد ... وشهنامة الفرس بالوصف تغلو
فقلت: وشعر الخرافات يفني ... وشعر البطولات لا يضمحل!!
هذه الأبيات تعكس وعي الشاعر واطلاعه على هذا الجنس الشعري عند الإغريق والفرس (إلياذة"هوميروس"وشهنامة الفرس) وعزاء مفدي أن مضمون الإلياذة الإغريقية والفارسية مضمون أسطوري وخرافي، في حين أن المضمون الذي شكل"إلياذة الجزائر"مضمون بطولي تاريخي، وهكذا يؤكد الشاعر صلة الإلياذة بالتاريخ وتداخل هذين الحقلين المعرفيين وهو تداخل يتّخذ شرعيته من الواقع نفسه.
وهكذا تتجاوز"إلياذة الجزائر"الإلياذات السابقة عليها لأنها تدخل في مشروع وطني أوسع حيث تكون ممارسة التاريخ شكلًا من أشكال الوعي وتصير الإلياذة بمفهومها الأرسطي تعبيرًا عن الممارسات الخرافية التي تجد جذورها في المناخ الخرافي والعقلية الأسطورية.
ورفض مفدي للإلياذة بمفهومها الأرسطي حيث تلعب الأسطورة والخرافة دور المحرك للأحداث فإن هذا الرفض يتجلى في وظيفة الإلياذة عندها، فوظيفتها ليست إمتاع الناس أو الغلو في الخيال، ولكنها لتثبيت لحظات لا يجب أن تفلت من الذاكرة وبتعبير آخر هي شكل من أشكال إنتاج التاريخ:
وبالدم نكتب تاريخنا ... ونبلغ بالعدل فيه الكمالا
لعل هذا هو ما يميز"إلياذة الجزائر"عن غيرها من الإلياذات التي عرفها الأدب الإنساني وهو أنها كتبت بالدم، والدم هو الضريبة التي دفعها الشاعر وكل الجزائر من أجل كتابة هذه الإلياذة التي تعتبر نتيجة لحرية التواصل وإبلاغ التاريخ إلى الذين صنعوه- والكتابة بالدم هي الكتابة الإبداعية- وهي التضحية من