فهرس الكتاب
الشيخ أبو قَتادة حفظه الله: أخي في الله:
أنت تعرف أن الأحكام منزلة على الأسماء، والأسماء هي للمعاني والأفعال، ويجوز في لغة العرب تسمية الجزئي بلفظ كلي، وهذه إن فهمتها فهمت أصل المسألة؛ وذلك أن يقول القائل لفظًا كليًا والمراد منه الجزئي من المعنى، وهذا قريبٌ من قول إمام الدنيا الشافعي في"الرسالة": (عامٌ أُريدَ به الخصوص) .
أقول: قريب؛ لأنه أصله، لكنه في التدقيق يفارقه قليلًا.
ومثال ما قلته لك: إن الشارع يطلق على خائن العهد منافقًا. فهذا لفظ كلي أُطلق على معنى جزئي.
وأنت تعرف هذا المثال كما تعرف أن لفظ الكفر كلي ولكنه يُطلَق على المعصية، وهي فعلٌ يدخل في اللفظ دخولًا جزئيًا.
ولكن لا بُدَّ لطالب العلم من تفعيل هذه القاعدة لتشمل أمورًا كثيرة:
ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي خرج ولم بجلس في المجلس مع الصحابة: (أعرض فأعرض الله عنه) ؛ والمعنى هو الإعراض الجزئي لا الكلي، وإلا لكان فعله كفر إذا حملناه على الكلي.
وهذا كذلك يعمل به في استدلال العلماء، وذلك كقولهم لكل من فعل معصية فيها نشر المعاصي وتعديها لغيره: إنه مُفسدٌ في الأرض، ثم يستدل بقوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ؛ ولكن لا بجوز للفقيه أن بعمل الحد الأعلى، أي كلية الآية، على فعل لا يدخل فيها إلا دخولًا جزئيًا، وإلا لضلَّ وأفسَد.
والآن وقد اتضحَّ الأمر، فنعود إلى السؤال الذي فيه طلب شرح كلام ابن تيمية: