فهرس الكتاب
بالحق)؛ ولكن هذا الأمر القدري من سرقة الباطل للحق والاحتجاج به، إنما يقع بأسباب متعددة، أهمها هو ترك قواعد الحق في إعماله؛ كتفسير لغة العرب بغير أصولها.
فالحق يعمل عمله من خلال قواعده لا من خلال الباطل، وحين يفزع الباطل للاحتجاج بالحق لباطله لا يعني أن نترك هذا الحق لعمل الباطل له، وهذا هو الباب الذي يعنى به في هذا المقال.
فمن المعلوم أن الاعتناء بالمصالح الشرعية والقدرية واجب على الفقيه والمفتي، ومن شر ما يقع هو ترك النظر إلى المآلات كما يقول علماؤنا، بل إن صواب الاختيار من عدمه يكون بالنظر إلى مآلاته، فإن أوقع خيرًا حكم الشرع بخيره كان له حكم مبتدئه، وإلا فالعكس كذلك صحيح؛ فالقول بالمصلحة الشرعية المعتبرة واجب لا مثنوية فيه.
لكن لما انقلبت في أعين بعض الناس المصالح الملغاة في الشرع -إلغاءً كليًّا أو جزئيًّا- إلى مصالح معتبرة، تقدم على ما هو أعلى منها في الشرع، صارت كلمة المصلحة مثيرة للرد كلما سُمعتْ، وكأنها تناقض الشريعة والنصوص، لأن هذا هو ما يعمله بعض الناس فيها؛ إذ كلما أراد فقهاء التسيب والتحلل ومدعي التيسير أن يردوا نصًا صحيحًا، زعموا أن المصلحة توجب هذا الرد .. فصار في الأذهان أن المصلحة في جانب والنصوص في جانب آخر، وبالتالي صار المتعبدون بين متسيب يعمل بالمصلحة دون النظر إلى ما هو ملغي أو مؤخر، وبين عامل بالنصوص دون اعتبار المصالح البتة؛ وهي قسمة ثنائية باطلة في حكم الشرع والفقه وكلام السابقين.
ولكن هذا الاعتبار والواقع لا يجيز لفقيه يلائم بين ما هو كلي وما هو جزئي، أو لفقيه يوازن بين العمل بالنص وبين اعتبار المآل، أن يلغي المصلحة لاحتجاج المبطل بها.
هذه صورة منتشرة نراها .. وهناك صورة أخرى غيرها هي أدق منها كذلك، وهي