فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 783

تعليل الحديث بالواقع والقدر؛ فالناظر لطرق كبار أئمة الحديث رحمهم الله تعالى يرى أنهم أجرأ الناس على تعليل الحديث ورده إن خالف فطرة قدرية أو كونًا مقطوعًا به، حتى لو بدا للناظر إلى ظاهر الحديث أنه صحيح لا علة ظاهرة فيه، واستقصاء هذا يطول.

ولكنهم كذلك يعلمون أنه ما من حديث يُرد لباطل في معناه إلا وفيه علة في سنده، فيعملون تنقيبًا وتفتيشًا له حتى يُعلمَ من أين دخل الخطأ على الراوي وكيف جاء الوهم.

فإبطال الحديث بمخالفته بداهة العقل وفطرة الخلق وجريان السنن ليس طريق أهل البدع كما يظن بعض الطلبة، بل هو طريق كبار أئمة الحديث رحمهم الله تعالى؛ لكن لما صار رد الأحاديث الصحيحة لجهالات العقل لا لبداهته، وللأهواء لا لفطر الخلق في الوجود، ولعوارض الظن لا لجريان السنن، ولقياسات الغيب على الشهادة، توهم بعض طلبة العلم أن من دين الله تعالى اتهام كل ردٍّ للحديث بالقواعد المتقدمة من الحق أنه من طرائق أهل البدع، فصار مجرد صحة ظاهر الحديث كافٍ لقبوله والعمل به، دون النظر إلى علله الباطنية فيه.

ومن ذلك أحكام الحق في الحكم على الأعيان والتصورات؛ فإن الحكم بالكفر والردة على مستحقه دين، بل إن تكفير الملحدين ضرورية من ضروريات الدين، ومن لا يعتبر وجود هذا الحكم في الوجود فليس بمسلم أبدًا؛ فإن الله تعالى هو القائل {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ} ، فالتكفير لفظ من ديننا، بل هو من أهم ما يجب أن يتعلمه المرء حتى يحذر منه ومن أهله، وهو من أركان ديننا، لأن معقد الولاء والبراء فيه.

فالذين ينفرون من هذا اللفظ إنما ينفرون من ركن الدين الأول في قول كل مسلم:"أشهد أن لا إله إلا الله"، فهذه مركبة من كفر وإيمان؛ فأما الكفر فهو بقول العبد"لا إله"، وهو كفر بكل طاغوت يعبد من دون الله تعالى، وفي سورة الأنبياء جاء البراءة من الكافر كما البراءة من معبوده، كما في قوله تعالى على لسان إمام الحنفاء إبراهيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت